فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 81

وكان عبد الله بن أبي، قبل نفاقه، نسيج وحده لجودة رأيه وبعد همته، ونبل شيمته، وانقياد العشيرة له بالسيادة، وإذعانهم له بالرياسة. وما استوجب ذلك إلا بعدما استجمع له لبه، وتبين لهم عقله، وافتقدوا منه جهله، ورأوه لذلك أهلًا، لما أطاق له حملًا. فلما بعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم وقدم المدينة، ورأى هو عز رسول الله صلى الله عليه وسلم شمخ بأنفه فهدم إسلامه لحسده، وأظهر نفاقه. وما صار منافقًا حتى كان حسودًا، ولا صار حسودًا حتى صار حقودًا. فحمق بعد اللب، وجهل بعد العقل، وتبوأ النار بعد الجنة.

ولقد خطب النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة فشكاه إلى الأنصار. فقالوا: يا رسول الله لا تلمه، فإنا كنا عقدنا له الخزر قبل قدومك لنتوجه.

ولو سلم المخذول قلبه من الحسد لكان من الإسلام بمكان. ومن السؤدد في ارتفاع. فوضعه الله لحسده، وأظهر نفاقه ولذلك قال القائل:

طال على الحاسد احزانه ... فاصفر من كثرة أحزانه

دعه فقد أشعلت في جوفه ... ما هاج من حر نيرانه

العيب أشهى عنده لذة ... من لذة المال لخزانه

فارم على غاربه حبله ... تسلم من كثرة بهتانه

فصل في حسد الجيران

وذلك أن الجيران - يرحمك الله - طلائع عليك، وعيونهم نواظر إليك، فمتى كنت بينهم معدمًا فأيسرت، فبذلت وأعطيت، وكسوت وأطعمت، وكانوا في مثل حالك فاتضعوا، وسلبوا النعمة وألبستها أنت، فعظمت عليهم بلية الحسد، وصاروا منه في تنغيص آخر الأبد. ولولا أن المحسود بنصر الله إياه مستور، وهو بصنعه محجوب لم يأت عليه يوم إلا كان مقهورًا، ولم تأت ليلة إلا وكان عن منافعه مقصورًا. ولم يمس إلا وماله مسلوب، ودمه مسفوك، وعرضه بالضرب منهوك.

(فصل منه)

وأنا أقول حقًا: ما خالط الحسد قلبًا إلا لم يمكنه ضبطه، ولا قدر على تسجينه وكتمانه، حتى يتمرد عليه بظهوره وإعلانه، فيستعبده ويستميله، ويستنطقه لظهوره عليه فهو أغلب على صاحبه من السيد على عبده، ومن السلطان على رعيته، ومن الرجل على زوجته ومن الآسر على أسيره.

وكان ابن الزبير بالصبر موصوفًا، وبالدهاء معروفًا، وبالعقل موسومًا، وبالمداراة منهومًا، فأظهر بلسانه حسدًا كان أضب عليه أربعين سنة لبني هاشم، فما اتسع قلبه لكتمانه، ولا صبر على اكتتامه، لما طالت في قلبه طائلته أظهره وأعلنه، مع صبره على المكاره، وحمله نفسه على حتفها، وقلة اكتراثه والتفاته

لأحجار المجانيق التي كانت تمر عليه فتذهب بطائفة من قومه ما يلتفت إليها.

حدثت بذلك عن علي ابن مسهر عن الأعمش، عن صالح بن حباب، عن سعيد بن جبير قال: قدت ابن عباس حتى أدخلته على ابن الزبير، قال: أنت الذي تؤنبني؟ قال: نعم، لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ليس بمؤمن من بات شبعانًا وجاره طاو) . فقال له ابن الزبير: لمن قلت ذلك؟ إني لأكتم بغضكم أهل البيت مذ أربعين سنة. فحسر ابن عباس عن ذراعيه كأنهما عسيبا نخل، ثم قال لابن الزبير: نعم فليبلغ ذاك منك، ما عرفتك.

ولقد أجلت الرأي ظهرًا لبطن وفكرت في جوابه لابن عباس أن أجد معنى له سوى الحسد فلم أجده، وكانت وخزة في قلبه فلم

يبدها. وفروع بني هاشم حول الحرم باسقة، وعروق دوحاتهم بين أطباقها راسية، ومجالسهم من أعاليها عامرة، وبحورها بأرزاق العباد زاخرة، وأنجمها بالهدى زاهرة. فلما خلت البطحاء من صناديدها استقبله بما أكنه في نفسه.

والحاسد لا يغفل عن فرصته إلى أن يأتي الموت على رمته، وما استقبل ابن عباس بذلك إلا لما رأى عمر قدمه على أهل القدم، ونظر إليه وقد أطاف به أهل الحرم، فأوسعهم حكمًا، وثقبوا منه رأيًا وفهمًا، وأشبعهم علمًا وحلمًا.

فصل

وكيف يصبر من استكن الحسد في قلبه على أمانيه. ولقد كان إخوة يوسف حلماء، وأجلة علماء، ولدهم الأنبياء، فلم يغفلوا عما قدح في قلوبهم من الحسد ليوسف، حتى أعطوا أباهم المواثيق المؤكدة، والعهود المقلدة، والأيمان المغلظة، إنهم له لحافظون، وهو شقيقهم وبضعة منهم. فخالفوا العهود ووثبوا عليه بالظلم والقوة، وألقوه في غيابة الجب، وجاءوا على قميصه بدم كذب، فبظلمهم يوسف ظلموا أباهم، طمعًا أن يخلو لهم وجه أبيهم ويتفردوا بحبه، وظنوا أن الأيام تسليه، وحبه لهم من بعد غمه يلهيه، فأسالوا عبرته وأحرقوا قلبه.

وكيف لا تقر أعين المحسودين بعد يوسف وقد ملكه الله خزائن الأرض، بصبره على أذى حساده ومقابلته إياهم بالعفو والمكافأة، وحسن العشرة والمواخاة، بعد إمكانه منهم لما أتوه ممتارين، ووفدوا عليه خائفين وهم له منكرون، فأحسن رفدهم، وأكرم قراهم،

فأقروا له لما عرفوه بالإذعان، وسألوه بعد ذلك الغفران، وخروا له سجدًا لما وردوا عليه وفدًا.

فإذا أحسست - رحمك الله - من صديقك بالحسد فأقلل ما استطعت من مخالطته، فإنه أعون الأشياء لك على مسالمته. وحصن سرك منه تسلم من شره وعوائق ضره. وإياك والرغبة في مشاورته، ولا يغرنك خدع ملقه، وبيان ذلقه، فإن ذلك من حبائل نفاقه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت