فهرس الكتاب

الصفحة 81 من 81

(فصل)

والعقل - حفظك الله - أطول رقدة من العين، وأحوج إلى الشحذ من السيف، وأفقر إلى التعاهد، وأسرع إلى التغير، وأدواؤه أقتل، وأطباؤه أقل. فمن تداركه قبل التفاقم أدرك أكثر حاجته، ومن رامه بعد التفاقم لم يدرك شيئاً من حاجته.

ومن أكبر أسباب العلم كثرة الخواطر، ثم معرفة وجوه المطالب. ثم في الخواطر الغث والسمين، والفاسد والصحيح، والمسرع إليك والبطيء عنك، والدقيق الذي لا يكاد يفهم، والجليل الذي لا يلقى الفهم. ثم هي على طبقاتها في التقديم والتأخير، وعلى منازلها في التباين والتمييز.

وللمطالب طرق، ولدرك الحقائق أبواب؛ فمن أخطأها وانتظر كان أسوأ حالاً ممن لم يخطئها ولم ينتظر. وعلى قدر صحة العقل يصح الخاطر، وعلى قدر التفرغ يكون التنبه.

هذا جماع هذا الكتاب وجمهرته، وأقسامه وجملته.

ثم من نفع أسبابه الحفظ لما قد حصل، والتقييد لما ورد، والانتظار لما لم يرد، وأن لا تخلي نفسك من الفكرة إلا بقدر جمام الطبيعة، وأن تعلم أن مكان الدرس من الحفظ كمكان الحفظ من العلم، وأن تعرف فصل ما بين طلب العلم للمنافسة والشهرة، وبين طلبه للرغبة والرهبة، وتعلم أن العلم لا يجود بمكنونه، ولا يسمح بسره ومخزونه، إلا لمن رغب فيه لكرم عنصره، وفضله لحقيقة جوهره، ورفعه عن التكسب، وصانه عن التبذل. وأنه لا يعطيك خالص الحكمة حتى تعطيه خالص المحبة. كان يقال: (من شاب شيب له) .

وخصلة ينبغي أن تعرفها وتقف عندها، وهو أن تبدأ من العلم

بالمهم، وتختار من صنوفه ما أنت أنشط له، والطبيعة به أعنى؛ فإن القبول على قدر النشاط، والبلوغ فيه على قدر العناية.

ثم من أفضل أسبابه تخليص أخلاقه، وتمييز أجناسه، والمعرفة بأقداره، حتى تعطي كل معنى حقه من التقريب والرفعة، وقسطه من الإبعاد والضعة، حتى لا تتشاغل إلا بالسمين الثمين، وبالخطير النفيس، ولا تلقي إلا الغث الخسيس، والحقير السخيف. فإنك متى كنت كذلك لم تعتبر فضل ما بين النظرين، ولا صرف ما بين النعتين.

الكيس كل الكيس، والحذق كل الحذق: أن لا تعجل ولا تبطئ، وأن تعلم أن السرعة غير العجلة، وأن الأناة خلاف الإبطاء. وأن تكون على يقين من درك الحق إذا وفيته شرطه، وعلى ثقة من ثواب النظر إذا أعطيته حقه.

هذا جملة ما للعذر في هذه المسألة، وجملة الحجة فيما قدمنا من الافتنان والإطالة. فإن كنا أصبنا فالصواب أردنا، وإن كنا أخطأنا فما ذاك عن فساد من الضمير، ولا قلة احتفال بالتقصير.

ولعل طبيعة خانت، أو لعل عادة جذبت، أو لعل سهواً اعترض، أو لعل شغلاً منع.

خفض عليك أيها السامع، فإن الخطأ كثير عام، وغالب مستول، والصواب قليل خاص، ومقموع مستخف.

فوجه اللائمة إلى أهلها، وألزمها من هو أحق بها، فإنهم كثير ومكانهم مشهور.

اعجب من الصواب لا تعجب من الخطأ. اعجب من أن العجب قد ذهب. اعجب ممن تعجب وفيه العجب أعجب. وكيف التعجب والأمور كلها عجب؟! كنت أتعجب من كل فعل خرج من العادة، فلما خرجت الأفعال بأسرها من العادة صارت بأسرها عجباً، فبدخول كلها في باب العجب خرجت بأجملها من باب العجب.

وقد ذكر الله تعالى ذكره التعجب في كتابه جل جلاله. وقد تعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله في زمانه، وفي الناس

يومئذ الناقص والوافر، والمشوب والخالص، والمستقيم والمعوج. وقال الله تبارك وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: (وإن تعجب فعجب قولهم) ، وقال له: (بل عجبت ويسخرون) .

واعلم أنه لم يبق من المتعجب الفاتك إلا نصيب اللسان، ولا من المستمع الفاتك إلا حصة السمع. فأما القلوب فخاوية قاسية، وراكدة خامدة، لا تسمع داعياً ولا تجيب سائلاً، قد أغفلها سوء العادة، واستولى عليها سلطان السكرة.

فدع عنك ما لست مثله، فإن فيما أورده عليك شغلاً شاغلاً، وهماً داخلاً.

اعلم أن الله تعالى قد مسخ الدنيا بحذافيرها، وسلخها من جميع معانيها. ولو مسخها كما مسخ بعض المشركين قردة، أو كما مسخ بعض الأمم خنازير، لكان قد بقى بعض أمورها، وحبس عليها بعض أعراضها، كبقية ما مع القرد في ظاهره من شبه الآدمي، وبقية ما مع الخنزير

في باطنه من شبه البشري. لكنه جل ذكره مسخ الدنيا مسخاً متتبعاً، ومستقصىً مستفرغاً، فبين حاليها جميع التضاد، وبين معنييها غاية الخلاف.

فالصواب اليوم غريب، وصاحبه مجهول. والعجب ممن يصيب وهو مغمور، ويقول وهو ممنوع، فإن صرت عليه عوناً مع الزمان قتلته، وإن أمسكت عنه فقد وفرته.

ولسنا نريد منك النصرة ولا المعونة، ولا التأنيس ولا التعزية. وكيف أطلب منك ما قد انقطع سببه، واجتث أصله. وقد كان يقال: (من طلب عيباً وجده) .

هذا في الدهر الصالح دون الفاسد. فإن أنصفت فقد أغربت، وإن جرت فلم تعد ما عليه الزمان.

وهب الله لنا ولك الإنصاف، وأعاذنا وإياك من الظلم. والحمد لله كما هو أهله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

وصلى الله على سيدنا محمد خاصة، وعلى أنبيائه عامة، وسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت