هذا كتاب كنت كتبته أيام المعتصم بالله، رضي الله عنه، فلم يصل إليه، لأسبابٍ يطول شرحها، فلذلك لم أعرض للإخبار عنها. وأحببت أن يكون كتاباً قصداً، ومذهباً عدلاً، ولا يكون كتاب إسراف في مديح قوم، وإغراق في هجاء آخرين. وإن كان الكتاب كذلك شابه الكذب، وخالطه التزيد، وبني أساسه على التكلف، وخرج كلامه مخرج الاستكراه والتغليق.
وأنفع المدائح للمادح وأجداها على الممدوح، وأبقاها أثراً وأحسنها ذكراً: أن يكون المديح صدقا، وللظاهر من حال الممدوح موافقا، وبه لائقا، حتى لا يكون من المعبر عنه والواصف له إلا الإشارة إليه، والتنبيه عليه.
وأنا أقول: إن كان لا يمكن ذلك في مناقب الأتراك إلا بذكر مثالب سائر الأجناد، فترك ذكر الجميع أصوب، والإضراب عن هذا الكتاب
أحزم، وذكر الكثير من هذه الأصناف بالجميل، لا يقوم بالقليل من ذكر بعضهم بالقبيح، لأن ذكر الأكثر بالجميل نافلة، وباب من التطوع، وذكر الأقل بالقبيح معصية، وباب من ترك الواجب. وقليل الفريضة أجدى علينا من كثير التطوع.
ولكل نصيب من النقض، ومقدار من الذنوب؛ وإنما يتفاضل الناس بكثرة المحاسن وقلة المساوى. فأما الاشتمال على جميع المحاسن، والسلامة من جميع المساوئ دقيقها وجليلها، وظاهرها وخفيها، فهذا لا يعرف.
وقد قال النابغة:
ولست بمستبقٍ أخاً لا تلمه ... على شعثٍ أيُّ الرجال المهذب
وقال حريش السعدي:
أخ لي كأيام الحياة إخاؤه ... تلوَّن ألواناً على خطوبها
إذا عبت منه خلة فتركته ... دعتني إليه خلة لا أعيبها
وقال بشار:
إذا كنت في كلِّ الأمور معاتباً ... خليلك لم تلق الذي لا تعاتبه
فعش واحداً أو صل أخاك فإنه ... مقارف ذنبٍ مرةً ومجانبه
إذا أنت لم تشرب مراراً على القذى ... ظميت وأيُّ الناس تصفو مشاربه
وقال مطيع بن إياسٍ الَّليثيّ:
ولئن كنت لا تصاحب إلا ... صاحباً لا تزل ما عاش نعله
لم تجده ولو جهدت وأنَّى ... بالذي لا يكون يوجد مثله
إنما صاحبي الذي يغفر الذَّنـ ... ب ويكفيه من أخيه أقله
وقال محمد بن سعيد، وهو رجلٌ من الجند:
سأشكر عمراً إن تراخت منيتي ... أيادي لم تمنن وإن هي جلتِ
فتىً غير محجوب الغنى عن صديقه ... ولا مُظهر الشكوى إذا النعل زلتِ
رأى خلتي من حيث يخفى مكانها ... فكانت قذى عينيه حتى تجلت
فإذا كان الخلطاء من جمهور الناس، وأصحاب المعايش من دهماء الجماعة، يرون ذلك واجباً وتدبيراً في التعامل، على ما هم فيه من مشاركة الخطأ للصواب، وامتزاج الضعف بالقوة، فلسنا نشك أن الإمام الأكبر والرئيس الأعظم، مع الأعراق الكريمة والأخلاق الرفيعة، والتمام في الحلم والعلم، والكمال في الحزم والعزم، مع التمكين والقدرة، والفضيلة والرِّياسة والسيادة، والخصائص التي معه من التوفيق والعصمة، والتأييد وحسن المعونة، أن الله جل اسمه لم يكن ليجلله باسم الخلافة، ويحبوَه بتاج الإمامة، وبأعظم نعمة وأسبغها، وأفضل كرامةٍ وأسناها، ثم وصل طاعته بطاعته، ومعصيته بمعصيته، إلا ومعه من الحلم في موضع الحلم، والعفو في موضع العفو، والتغافل في موضع التغافل، ما لا يبلغه فضل ذي فضلٍ، ولا حلم ذي حلمٍ.