فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 81

واعلم أن إجراءك الأمور مجاريها، واستعمالك الأشياء على وجودها، يجمع لك ألفة القلوب، فيعاملك كل من عاملك بمودةٍ، أو أخذ أو إعطاءٍ، وهو على ثقةٍ من بصرك بمواضع الإنصاف، وعلمك بموارد الأمور.

واعلم أن أثرتك على غير النصيحة والشفقة، والحرمة والكفاية، يوجب لك المباعدة وقلة الثقة ممن آثرته أو آثرت عليه.

فاعرف لأهل البلاء - ممن جرت بينك وبينه مودةٌ أو حرمة، ممن فوقك أو دونك أو نظرائك - أقدارهم ومنازلهم. ثم لتكن أمورك معهم على قدر البلاء والاستحقاق، ولا تؤثر في ذلك أحدًا لهوى؛ فإن الأثرة على الهوى توجب السُّخطة، وتوجب استصغار عظيم النعمة، ويمحق بها الإفضال، وتفسد عليها الطائفتان: من آثرت ومن آثرت عليه.

أما من آثرت فإنه يعلم أنك لم تؤثره باستحقاقٍ بل لهوى، فهو مترقِّبٌ أن ينتقل هواك إلى غيره، فتحول أثرتك حيث مال هواك. فهو مدخول القلب في مودتك، غير آمنٍ لتغيرك.

وأما من آثرت عليه بعد الاستحقاق منه، فقد جعلت له السبيل إلى الطعن عليك، وأعطيته الحجة على نفسك. فكل من يعمل على غير ثقةٍ عاد ما أراد به النفع ضررًا، والإصلاح فيه فسادًا.

وربما آثر الرجل المرء من إخوانه بالعطية السنية على بلاء أبلاه، فيعظم قدرها عنده حتى لعله تطيب نفسه ببذل ماله ودمه دونه. فإن أعطى من أبلى كبلائه وكانت له مثل دالته، أكثر مما أعطاه، انتقل كل محمودٍ من ذلك مذمومًا، وكل مستحسنٍ مستقبحًا. وكذلك الأمر في العقوبة، يجريان مجرى واحدًا.

فاجعل العدل والنَّصفة في الثواب والعقاب حاكمًا بينك وبين إخوانك، فمن قدمت منهم فقدمه على الاستحقاق، وبصحة النية في مودته، وخلوص نصيحته لك مما قد بلوت من أخلاقه وشيمه، وعلمت بتجربتك له، أنه يعلم أن صلاحه موصولٌ بصلاحك، وعطبه كائن مع عطبك، ففوض

الأمر إليه، وأشركه في خواص أمورك وخفي أسرارك، ثم اعرف له قدره في مجلسك ومحاورتك ومعاملتك، في كل حالاتك ومزاولاتك في خلواتك معه، وبحضرة جلسائك؛ فإن ذلك زيادة في نيته، وداعيةٌ لمن دونه إلى التقرب إليك بمثل نصيحته.

فإن ابتليت في بعض الأوقات بمن يضرب بحرمة ويمتُّ بدالة، يطلب المكافأة بأكثر مما يستوجب، فدعاك الكرم والحياء إلى تفضيله على من هو أحق منه، إما تخوفًا من لسانه، أو مداراةً لغيره، فلا تدع الاعتذار إلى من فوقه من أهل البلاء والنصيحة وإظهار ما أردت من ذلك لهم؛ فإن أهل خاصتك والمؤتمنين على أسرارك، هم شركاؤك في العيش، فلا تستهينن بشيءٍ من أمورهم؛ فإن الرجل قد يترك الشيء من ذلك اتكالًا على حسن رأي أخيه، فلا يزال ذلك يجرح في القلب وينمو، حتى يولد ضِغنًا ويحول عداوة.

فتحفظ من هذا الباب، واحمل إخوانك عليه بجهدك.

وستجد في من يتصل بك من يغلبه إفراط الحرص وحميًا الشره، ولين جانبك له، على أن ينقم العافية، ويطلب الُّلحوق بمنازل من ليس هو مثله، ولا له مثل دالته، فتلقاه لما تصنع به مستقلًا، ولمعرفتك مستصغرًا. وصلاح من كانت هذه حاله بخلاف ما فسد عليه أمره. فاعرف طرائقهم وشيمهم، وداو كل من لا بد لك من معاشرته بالدواء الذي هو أنجع فيه، إن لينًا فلينًا، وإن شدةً فشدة؛ فقد قيل في المثل:

من لا يؤدبه الجميـ ... ل ففي عقوبته صلاحه

وقد قال بعض الحكماء: ليس بحكيمٍ من لم يعاشر من لا يجد من معاشرته بدًا، بالعدل والنَّصفة، حتى يجعل الله له من أمره فرجًا ومخرجًا.

فاحفظ هذه الأبواب التي يوجب بعضها بعضًا، وقد ضمنت لك أوائلها كون أواخرها. فاعرفها واقتبسها، واعلم أنه متى كان الأول منها وجب ما بعده لا بد منه. فاحذر المقدمات اللاتي يعقبها المكروه، واحرص على توطيد الأمور التي على أثرها السلامة، وألقح في البديِّ الأمور التي نتاجها العافية.

فمن الأمور التي يوجب بعضها بعضًا: المنفعة توجب المحبة، والمضرة توجب البغضاء، والمضادة توجب العداوة، وخلاف الهوى يوجب الاستثقال، ومتابعته توجب الألفة، والصدق يوجب الثقة، والكذب يورث التهمة، والأمانة توجب الطمأنينة، والعدل يوجب اجتماع القلوب، والجور يوجب الفرقة، وحسن الخلق يوجب المودة، وسوء الخلق يوجب المباعدة، والانبساط يوجب المؤانسة، والانقباض يوجب الوحشة، والتكبر يوجب المقت، والتواضع يوجب المقة، والجود بالقصد يوجب الحمد، والبخل يوجب المذمة، والتواني يوجب التضييع، والجد يوجب رخاء الأعمال، والهوينا تورث الحسرة، والحزم يورث السرور، والتغرير يوجب الندامة، والحذر يوجب العذر، وإصابة التدبير توجب بقاء النعمة، والاستهانة توجب التباغي، والتباغي مقدمة الشر وسبب البوار.

ولكل شيء من هذا إفراط وتقصير، وإنما تصح نتائجها إذا أقيمت على حدودها، وبقدر ما يدخل من الخلل فيها يدخل فيما يتولد منها، لا بد منه

ولا مزحل عنه، عليه عادة الخلق، وبه جرت طبائعهم، وتمام المنفعة بها إصابة مواضعها: فالإفراط في الجود يوجب التبذير، والإفراط في التواضع يوجب المذلة، والإفراط في الكبر يدعو إلى مقت الخاصة، والإفراط في المؤانسة يدعو خلطاء السوء، والإفراط في الانقباض يوحش ذا النصيحة. وآفة الأمانة ائتمان الخانة، وآفة الصدق تصديق الكذبة، والإفراط في الحذر يدعو إلى ألا يوثق بأحد؛ وذاك ما لا سبيل إليه. والإفراط في المضرة مبعثةٌ على حربك، والإفراط في جر المنفعة غناءٌ لمن أفرطت في نفعه عنك.

واحذر كل الحذر أن يختدعك الشيطان عن الحزم فيمثل لك التواني في صورة التوكل، ويسلبك الحذر، ويورثك الهوينا بإحالتك على الأقدار؛ فإن الله إنما أمر بالتوكل عند انقطاع الحيل، والتسليم للقضاء بعد الإعذار، بذلك انزل كتابه، وأمضى سنته فقال: (خذوا حذركم)

(ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) . وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (اعقلها وتوكل) . وسُئل ما الحزم؟ فقال: الحذر.

فتحفظ من هذا الباب وأحكم معرفته إن شاء الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت