(وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(109)
(كتاب: فصل ما بين العداوة والحسد)
بسم الله الرحمن الرحيم
أصحب الله مدّتك السعادة والسلامة، وقرنها بالعافية والسرور، ووصلها بالنعمة التي لا تزول، والكرامة التي لا تحول.
هذا كتابٌ - أطال الله بقاءك - نبيلٌ بارع، فُصل فيه بين الحسد والعداوة، ولم يسبقْني إليه أحد ولا إلى كتاب فضل الوعد الذي تقدَّم هذا الكتاب، ولا إلى كتاب أخلاق الوزراء الذي تقدَّم كتاب فضْل الوعد.
وإنما نُبلتْ هذه الكتب وحسنت وبرعت، وبذَّت غيرها؛ لمشاكلتها شرف الأشراف، بما فيها من الأخبار الأنيقة الغريبة، والآثار الحسنة اللطيفة، والأحاديث الباعثة على الأخلاق المحمودة، والمكارم الباقية المأثورة، مع ما تضمَّنتْه من سير الملوك والخلفاء ووزرائهم وأتباعهم، وما جرت عليه أحوالهم.
فأنا أسألك بساطع كرمك وناصع فضلك، لما امتننت عليَّ بصرف عنايتك إلى قراءتها.
فإنْ لم يمكنك تبحُّرها والتقصِّي لجميعها، للأشغال التي
تعروك، فبحسبك أن تقف على حدودها، وتتعرَّف معاني أبوابها بتصفُّح أوائلها؛ فإن معك قلبًا به من اليقظة والذكاء، والتوقد والحفظ، ما يكفي معه النظر الخاطف.
إنه لم يخلُ زمنٌ من الأزمان فيما مضى من القرون الذاهبة إلا وفيه علماء محِقُّون، قد قرءوا كتب من تقدمهم، ودارسوا أهلها، ومارسوا الموافقين لهم، وعانوا المخالفين عليهم، فمخضوا الحكمة وعجموا عيدانها، ووقفوا على حدود العلوم، فحفظوا الأمهات والأصول، وعرفوا الشرائع والفروع، ففرقوا ما بين الأشباه والنظائر، وصاقبوا بين الأشكال والأجناس، ووصلوا بين المتجاور والمتوازي، واستنبطوا الغامض الباطن بالظاهر البيِّن، واستظهروا على الخفيِّ المشكل بالمكشوف المعروف، وعُرفوا بالفهم الثاقب والعلم الناصع، وقضت لهم المحنة بالذكاء والفطنة، فوضعوا الكتب في ضروب العلوم وفنون الآداب لأهل زمانهم، والأخلاف من بعدهم. يزدلفون بذلك إلى الممتنّ عليهم بفضل المعرفة التي ركَّبها الله فيهم، وأبانهم من غيرهم، وفضَّلهم عليهم، ويباهون به الأمم المخالفة لهم، ويتبارون بذلك فيما بينهم. ولهم حُسادٌ معارضون من أهل زمانهم في تلك العلوم والكتب،
منتحلةٌ يدعون مثل دعاويهم، قد وسموا أنفسهم بسمات الباطل، وتسمَّوْا بأسماء العلم على المجاز من غير حقيقة، ولبسوا لباس الزُّور متزخرفين متشبِّعين بما لا محصول له. يحتذون أمثلة المحقِّين في زيِّهم وهديهم، ويقتفون آثارهم في ألفاظهم وألحاظهم، وحركاتهم وإشاراتهم، لينسبوا إليهم ويُحلُّوا محلهم، فاستمالوا بهذه الحيلة قلوب ضعفاء العامة، وجهلاء الملوك، واتخذهم المعادون للعلماء المحقِّين عُدةً يستظهرون بهم عند العامة. وحمل المدعية للعلم المزور الحسد على بهْت العلماء المحقِّين، وعضْههم والطعن عليهم، وجرّأهم على ذلك ما رأوا من صَغْو ضعفة القلوب وإذلة الناس إليهم، وميل جهلاء الملوك معهم عليهم، وأملوا أن ينالوا بذلك بشاشة العامة، وتستوي لهم الرياسة على طغام الناس ورعاعهم، ويستخولوا رعاتهم وقومهم، فهمروا وهدروا وتوردوا
على أهل العلم بغباوتهم، وكشفوا أغطية الجهل عن أنفسهم، وهتكوا سترًا كان مسدلا عليهم بالصمت. فقد قيل: (الصمت زين العالم، وستر الجاهل"؛ طمعًا في الرياسة وحبًا لها. وقد قيل:"
حبُّ الرياسة داءٌ لا دواء له ... وقلَّما تجد الراضين بالقسم
ولم يخل زمنٌ من الأزمنة من هذه الطبقة ولا يخلو. وهلاك من هلك من الأمم فيما سلف بحبِّ الرياسة. وكذلك من يهلك إلى انقضاء الدهر فبحبِّ الرياسة.
وقد قيل: هلاك الناس منذ كانوا إلى أن تأتي الساعة بحبِّ الأمر والنَّهي، وحبِّ السَّمع والطاعة.
فأشكل على العامة أمر العالم الحقيقيّ والمدعي المجاري المنتحل للزُّور والباطل؛ ثم ترادف عليهم من هذه العلل التي يعمى لها السبيل الواضح والطريق المنشأ، على الجاهل المستضعف؛ وذي الغباء المسترهف.
ولست آمن - جعلني الله فداك - أن تكون هذه الكتب التي أُعنى بتأليفها، وأتأنق في ترصيفها، يتولى عرضها عليك من قد لبس لباس الزور في انتحال وضع مثلها، ونسب نفسه إلى القوة على نظائرها، والمعرفة بما يقاربها، إن لم يكن أخاها فابن عمِّها، وتشبع بما لم يُطعمْه الله منها.
ولعل بعض من حوله، أو بعض من يهزل به، ويرتع في عقله ويلهو بلبه، ويضعه على طبطابة اللعب، وفي أرجوحة العبث، يوهمه. الحسد له على ما يدَّعي من ذلك، ويتقدم إلى آخرين في إيهامهم إياه ذلك، فيزيده فعلهم ضراوةً بادعاء ما ليس معه وهو منه عارٍ. فإذا رجع إلى الحقائق علم أن مثله كما قد قيل:
ومن يسكن البحرين يعظم طحاله ... ويغبطْ بما في البطن والبطن جائع