فهرس الكتاب
ذكر أبو حيان: الأولى أن يتضمن أقعدن معنى فعل متعدٍ (لألزمن) بقعودي صراطك المستقيم.
وذكر القرطبي: لأقعدن لهم بالصد عنه وتزيين الباطل له.
وقال الزركشي: أقعدن يجب تضمينه فعلا متعديا: ألزمن لك (أملكن) .
وروى الشوكاني: أقعدن لهم: لأجهدن في إغوائهم حتى يفسدوا.
وحكى أبو السعود: لأقعدن لآدم وذريته ترصدا لهم كما يقعد القطَّاع للقطع على السابلة.
أقول: إخذ إبليس العهد على نفسه بأن يغوي ذرية من كان سببا في مأساته ولعنه وطرده من الجنة فقال: لأقعدن ... وصراط اللَّه المستقيم ليس حِسًّا بل معناه الإيمان والطاعة الموصلة إلى رضا الله، بل معناه الإسلام.
والقعود ليس حِسًّا كذلك بل هو مشهد شاخص مُحَس مُبصَر يتضمن (الرصد والإلثاث والتنكير والتشويه) يأتيهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم. تنوعت الأساليب واختلفت الصور ليأخذ أبناء آدم حذرهم من عدوهم.
وحين أجيب إبليس إلى طلبه من الإنظار، وأخذ على نفسه العهد بإغواء من كان السبب في طرده، اقتضت مشيئة اللَّه أن يدع الكائن البشري للابتلاء، فيشق طريقه بنفسه بما رُكب في فطرته من استعداد للخير والشر يصطرعان ... وبما أمده من كتب على أيدي الرسل. نعم ترك لإبليس فرصة الإغواء كما ترك لأبناء آدم فرصة الاختيار. فتضمين (قعد) معنى (رصد) لأرصدن لهم صراطك - كما ذكر أبو السعود - مستوحى من قوله تعالى: (وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ) .
ولعل تنكيره أو تشويهه، لأنكرن وأشوهن، فلا يهتدي إليه أحد، نكون قد جمعنا مع لَبْثه على الصراط ولزومه إياه وعدم بَرَاحه، معنى التجهيل لمَعالِمه من طريق تشويهه لصد سالكيه عنه بكل وسيلة يملكها. أوليس قعوده عليه ولزومه إياه وإلثاثه به تشويها له؟ وأنجع هذه الوسائل وأهمها أن يتسخط المؤمن عطاء ربه، ولهذا أتبعها بقوله (وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ) وليس هذا الداء بالهين ولا العلاج مُسعِفًَا، ولا السعي مُنجِحًا متى رام ذلك.
والعلاقة بين المضمن والمضمن فيه سببية، فإلتأثه على صراط اللَّه المستقيم سبب في تنكيره وتشويهه، إنما يُرى اللعين في طرق الغواية والضلال والفساد.
فاللام من جهة، وتعدية الفعل اللازم من جهة أخرى: أضاءتا لنا ما خفي علينا من هذه اللطائف.
فول وجهك نحو التضمين لتبلغ منه حاجتك في جَنْي هذه الرقائق.