فهرس الكتاب
ذكر السيوطي وكذلك الموزعي: الباء للمصاحبة بدليل.
قوله تعالى: (جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ) .
وقوله: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ) .
وقال الزمخشري: بسلام: أي مسلما محفوظا من جهتنا أو مسلما عليك مقربا.
ويرى أبو حيان: أن بسلام معناه مصحوبا بسلام. ومثله قال الآلوسي.
وقال الجمل: متلبسا بسلام. قال المثقب العبدي:
* يجتذب الآريّة بالمرود *
أي مع المرود.
وذهب الزركشي: إلى أن الباء بمعنى مع. وتبعه في ذلك المرادي والسيوطي والأشموني وابن هشام.
أقول: هل الباء بمعنى مع أو بمعنى الملابسة أو المصاحبة أو الملامسة والحفظ أو ؟ أم (هبط) تضمن معنى (حل) المتعدي بالباء؟ فاحلل بسلام من الله، دل على التكريم، وفيه نجاة من قومه، والبشرى بقبول توبته، والرضا والسلام من كل أذى، وقد يكون السلام بمعنى التسليم والتحية من اللَّه كما قرأ الكسائي، أو بركات من الرزق والنسل والذرية.
أما إذا تعدى بـ (مِن) فإنه يتضمن معنى (الخروج) . في قوله تعالى: (فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا) وقوله تعالى: (اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) وفي قوله تعالى: (وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) تضمن الهبوط معنى السقوط وحين يتعدى بنفسه في قوله تعالى: (اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ) فإنه يتضمن معنى (النزول) .
أرأيت كيف يتغير معنى (الهبوط) بتغير الحروف التي يتعدى بها؟! ولو توهمتَ آخذا بتعاور الحروف لحرمت نفسك من محاسن هذه الصنعة وسددت عليك باب الحظوة بها.
ولو سأل سائل: لم اختار الهبوط على الحلول وهذه أندى ظلالًا؟ قلت: لو قال: احلل لضاع علينا معنى الهبوط أي النزول فليس معنى حلول السفينة هو نزول أهلها منها. ولو قال: (يا نوح اهبط) : سينزل إلى أين؟ لا بد من قرار ودار سلام يحل بها، وإلا بقي مرتحلا ليس له مقام.
فجمع التضمين الهبوط مع الحلول فأفادهما جميعا، وبذلك أسفر وجهه عن غرض تعدية الفعل بغير حرفه لدى الاستقراء له والبحث عن كنهه. فإياك والوقوف مع كثافة الذهن في التناوب والتعاور لأنها تدعوك لإنكار هذه اللطائف.