فهرس الكتاب

الصفحة 530 من 531

قال أبو حيان: عُدِّي اركبوا ب (في) لتضمنه معنى: صيروا فيها أو ادخلوا فيها، وقيل: (في) زائدة للتوكيد أي اركبوها. وقيل: اركبوا الماء فيها. ثم نقل عن بعض المحققين قولهم: الركوب: العلو على شيء متحرك ويتعدى بنفسه، واستعماله هاهنا بفي ليس لأن المأمور به كونهم في جوفها لا فوقها كما ظن، فإن أظهر الروايات أنه عليه السلام ركب هو ومن معه في الأعلى، بل لرعاية جانب المحلية والمكانية في الفلك.

وقد فرَّق الجمل وفقل فقال: (قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا) لغير الإنس وقال: (ارْكَبُوا فِيهَا) للإنس.

واستعماله كلمة (في) ليس لأجل أن المأمور به كونهم في جوفها لا فوقها كما ظُن فإن أظهر الروايات أنه جعل الوحوش ونظائرها في جوفها والأنعام في وسطها وركب ومَن معه في الأعلى، بل لرعاية جانب المحلية والمكانية في الفلك، والسر فيه أن معنى الركوب: العلو على شيء له حركة إرادية كالحيوان أو قسرية كالسفينة، ففي الأول: ركبت الفرس(وَالْخَيْلَ

وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا)وفي الثاني: يلؤح بمحلية المفعول بكلمة (في) (رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ) و (رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا) وقد نقل الآلوسي هذه الأقوال وأضاف: قيل التعدية بذلك لأنه ضمن معنى ادخلوا.

اهـ. ونقل الرازي قول الحوفي: ولفظة (في) في قوله (اركبوا فيها) لا يجوز أن تكون صلة الركوب لأنه يقال: ركبت السفينة، لا في السفينة بل الوجه أن يقال: مفعول اركبوا محذوف والتقدير: اركبوا في السفينة وأيضا: يجوز أن يكون فائدة هذه الزيادة أنه أمرهم أن يكونوا في جوف الفلك لا على ظهرها، فلو قال اركبوها لتوهموا أنه أمرهم أن يكونوا على ظهرها.

أقول: هذا نوح عليه السلام يقول للخِيَرة من قومه اركبوا فيها ... إنه التعبير عن الاستسلام للمشيئة الإلهية في الركوب والجريان والرسو ... فماذا يملك نوح في هذه اللُّجة الطاغية؟!.

الموج كالجبال يطغى على الذرى والوديان ... إنه مشهد العاصفة المدمرة في الطبيعة الصامتة.

الركوب هنا تضمن في سياق الآية معنى الحظ والمتعدي بـ في.

فلْيحطوا فيها يتابعوه ولا يعصوه فيما أمر حيث لا عاصم ولا حامٍ ولا واقٍ من أمر اللَّه إلا من رحِم، فقد جمع التضمين الركوب مع المتابعة والاستسلام، مع عدم العصيان فيما أمرهم به عليه السلام فكان إلى الإيجاز أميل، وبه أعنى، وفيه أرغب. وهذا مما أهملته المعاجم أما ما قيل من زيادة (في) فمنسوب إلى سوء التأمل. وأما تضمين اركبوا معنى: صيروا أو ادخلوا أو انزلوا فمستكره. فترفق بهذه الحروف بالملاينة في التأويل والتلطف بحسن الصنعة لتنال منها مرامك وتأوي إلى سداد، وتؤول إلى ثقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت