فهرس الكتاب

الصفحة 518 من 531

ذهب الزمخشري وتبعه أبو حيان إلى أنْ تتهافت سائر الأنفس فيما تعرضت له أعز نفسٍ عند اللَّه من شدةٍ وهولٍ فضلا عن أن يضنُوا بأنفسهم على ما سمح بنفسه صلوات اللَّه وسلامه عليه.

وقال القرطبي: لا يرضون لأنفسهم بالخفض والركد ورسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في المشقة. يقال أرغبت عن كذا: أي ترفعت عنه؟ وذكر الجمل: أن الباء - بأنفسهم - للتعدية ويصح أن تكون للسببية أي بسبب صونها. ورغبت عنه أي أعرضت عنه. وذكر أبو السعود: في معنى (لا يرغبوا) أي لا يصرفوها عن نفسه الكريمة ولا يصونوها عما لم يصن عنه نفسه. بل يكابدون معه من الأهوال والخطوب. جاء الكلام في معنى النهي لان كان على صورة الخبر.

وذكر أستاذنا سعيد الأفغاني: (يرغبوا) تضمن معنى (يبخلوا) .

أقول: تأنيب خفي لكنه موجع يستنكر مبدأ التخلف عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لمن يدعي صُحبته من الصفوة المختارة. فلا يحق لهم أن يُؤثروا أنفسهم عما يتحمله رسول اللَّه. ولا عذرَ لهم في أن يُشفقوا على أنفسهم عن مثل ما

تعرضت له نفس رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في سبيل دعوته في الحر والبرد في الشدة

والعسْر يواجه أعباء الدعوة ولأواءها. إنه النذير، وإنه النكير على مَن تخلف من أهل طيبة الطيبة ومَن حولها.

السياق إذاً سياق استنكار على أهالي المدينة المنورة أن يؤثروا أنفسهم على رسول الله، وهم أصحاب هذه الدعوة وهم قاعدتها الصُلبة. أيشفقون على أنفسهم ورسول اللَّه يواجه تكاليف دعوة ربه؟! فالرغبة عن نفس نبيهم تضمنت الضنانة بأنفسهم عنه، ولذلك جاء التأنيب (مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ) أي لا يليق بهم أن يتخلفوا عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ولا يبخلوا بأنفسهم عنه. وهكذا يصير التضمين وسيلة كشفٍ عن خبايا النفوس، ليتفتح اللفظ عن رصيده حين يقع في السياق الذي يستدعيه فلا أزعج من أن يقال عن المتخلف: إنه يرغب بنفسه عن نفس رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - الذي تفتديه الأنفس. وهو يزعم أنه جندي من جنود الدعوة، وأنه يتأسى بقائده الحكيم.

ويزعم أنه من جند ... طه ويرغب عن مرافقة الحبيب!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت