فهرس الكتاب

الصفحة 198 من 8423

الولايات المتحدة تعاملت مع السنة, عمليًا, بوصفهم امتدادًا للنظام السابق, وعملت بقصد أو بدونه, على تهميشهم وحولتهم بين عشية وضحاها من عصبة حاكمة إلى أقلية مضطهدة. صحيح أن النظام السابق كان نظام البعث وليس السنة, إلا أنهم ظلوا عصبيته الفاعلة في بيروقراطية الدولة سواء في الجيش أم الأجهزة أم غيرهما. وإن كان هذا سمت الدولة العراقية الحديثة إلا أنه تكرس في عهد البعث وخصوصًا بعد انتفاضة الشيعة في التسعين [1] .

تشكيلة الحكومة العراقية الأولى في مرحلة ما بعد صدام عبرت عن وزن العرب السنة في المكيال الأميركي, وهو وزن بخس لا يعبر عن حضورهم الديموغرافي أو السياسي, فضلًا عن وزنهم التاريخي في البيروقراطية العراقية منذ نشأة العراق الحديث ولا في مرحلة حزب البعث. فقد منحوا خمس وزارات مقابل ثلاث عشرة للشيعة وإذ تقاسم الشيعة والأكراد الوزارات السيادية (الداخلية, الخارجية, التخطيط..) حصل السنة على وزارة المالية لكن بمشاركة كردية تحت عنوان مستحدث: وزارة الموارد المالية, وهذا تهميش معلن مخالف للمنطق السياسي. لكن ما هو أخطر التهميش الخفي الناتج عن الممارسات اليومية للأطراف التي شاركت الأميريكيين انتصارهم.

مثال بسيط على تلك الممارسات ما شهدته كركوك عقب دخول الأكراد, فمع أنها مدينة مختلطة من العرب والأكراد والتركمان والمسيحيين, إلا أن الأميركيين وهبوا المدينة لحكومة السليمانية بزعامة جلال طالباني, وغدا الأكراد الحاكمون الحقيقيون للمنطقة, وعندما أجروا انتخابات مركبة استبعد الأميركيون العرب, ففي قائمة المستقلين التي توازي قوائم القوميات وتختار بعيدًا عن الحسابات القومية والمذهبية اختار الأميركيون اثنين من العرب مقابل مئة وأربعة عشر من الأكراد.

مناخات كهذه تعبر عن استكمال شروط الحرب الأهلية, لكن الحرب لم تحدث لماذا؟.

(1) كانت في مارس (آذار) 1991.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت