فهرس الكتاب

الصفحة 3542 من 8423

أما قصة هذا"الزهد"، فيذكرها الإمام ابن الجوزي في كتابه"القرامطة"ص39، وملخصها أن قرمط كان يُظهر الزهد والتقشف، ويأكل من كسبه، ويعمل عند بعض القوم حارسًا أو مسؤولًا عن تمرهم الذي يتم قطفه، ولم يكن قرمط يأكل من هذا التمر، إنما يشتري تمرًا من البقال، ثم يعود إليه، ويبيعه النوى، لتقل الكلفة عليه، فظن أصحاب التمر أنه يأكل من تمرهم واستهجنوا قيامه ببيع نوى التمر، وقالوا له:"لم ترض بأن أكلت التمر حتى بعت النوى"، فأخبرهم البقال حقيقة الأمر، فندموا على ضربه، وسألوه المسامحة، فازداد بذلك نبلًا عند أهل تلك القرية.

وذكر الإمام ابن الجوزي ص44، أن حمدان كان من أهل الكوفة ويميل إلى الزهد، فصادفه أحد دعاة الباطنية في الطريق وهو متوجه إلى قرية، وبين يديه بقر يسوقها، فقال حمدان لذلك الداعي وهو لا يعرفه أين تقصد؟ فسمّى قرية حمدان.

فقال له: اركب بقرة من هذا البقر لتستريح من المشي.

فقال: إني لم أؤمر بذلك.

قال: كأنك لا تعمل إلاّ بأمر؟ قال: نعم.

فقال حمدان: وبأمر من تعمل؟

قال: بأمر مالكي ومالكك ومالك الدنيا والآخرة.

قال: ذلك الله عز وجل: قال: صدقت

قال: وما غرضك في هذه البقعة؟

قال: أمرت أن أدعو أهلها من الجهل إلى العلم، ومن الضلال إلى الهدى، ومن الشقاوة إلى السعادة، واستنقذهم من ورطات الذل والفقر، وأملكهم ما يستغنون به عن التعب والكد.

فقال له حمدان: أنقذني أنقذك الله، وأفض عليّ من العلم ما تحييني به فما أشد حاجتي إلى ذلك.

فقال الداعي: ما أمرت أن أخرج السر المكنون إلى أحد إلاّ بعد الثقة به والعهد إليه.

قال حمدان: فاذكر عهدك فإني ملتزم به.

فقال: أن تجعل لي وللإمام على نفسك عهد الله وميثاقه، أن لا تخرج سر الإمام الذي ألقيه إليك، ولا تفشي سري أيضا.

فالتزم حمدان عهده، ثم اندفع الداعي في تعليمه فنون جهل حتى استدرجه واستغواه، واستجاب له في جميع ما دعاه إليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت