فهرس الكتاب

الصفحة 7232 من 8423

المثير في الأمر أنه في الوقت الذي بقي مشروع أركون"قولًا بين الأقوال"المتكاثرة في العالم العربي التي تلوكها النخبة المثقفة، فإنه حظي باهتمام استثنائي في جنوب شرق آسيا، لاسيما في أندونيسيا، وفي الجامعات والكليات الإسلامية بالتحديد، وربما كان السبب في ذلك الحاجز اللغوي بين النصوص الدينية والتراث الإسلامي المكتوب في جله بالعربية وبين لسان أهل المنطقة الناطق بالمالايوية، إضافة إلى ذلك الحكومة العلمانية ساعدت على نشر أنماط في الفكر التحديثي في سياق مكافحتها للأصولية الدينية المتشددة، في حين كانت دول أخرى في جنوب شرق آسيا (مثل ماليزيا) قائمة على حماية الإسلام وتراثه وليس محاربة الفكر الديني، الأمر الذي حال دون تمكن الفكر الأركوني وأضرابه من اقتحام النخبة العالمة والمثقفة فيها.

لاحظ أركون وهو يعدّ لتسجيل أطروحته للدكتوراه في السوربون أن حصول نزعةٍ أنسية (عقلانية) في التاريخ الإسلامي واقع لا يمكن أن ينفيه أحد، إلاّ أن المشكلة تكمن في اعتبارها نزعات عابرة غير قابلة للدراسة التاريخية والسيسيولوجية على النحو الذي حصل في أوساط البحث الاستشراقي؛ ذلك لأن الاستشراق وخصوصًا الفرنسي استمّر خاضعًا إلى"الموضوعاتية التاريخية المتعالية" (على حد تعبير ميشيل فوكو) التي يولدها المفهوم الحظي والتراكمي للتاريخ، حيث لا يبدو الحاضر إلاّ استمرارًا للماضي.

وإذا كان أركون قد لاحظ ذلك، فإن اهتمامه بالأنسنة العربية يعود إلى رغبته في تثبيت تاريخٍ آخر «للحداثة» - كما سيدعو إلى ذلك لاحقًا في سياق نقده للمركزية الأوروبية- يمر عبر الحضارة العربية الإسلامية، ويتكثَّف في ثقافة متوسطية، وبالتالي حدَّد هدف دراسته الأولى في إثبات النزعة الأنسية العربية الإسلامية (من خلال كتاب مسكويه والتوحيدي) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت