فهرس الكتاب

الصفحة 8022 من 8423

في الواقع كانت هناك محنة منهجية - إذا صح التعبير - ذلك أن الإصرار على تاريخانية الاستشراق، أو اعتباره جزءًا من تخصص الشرق القديم والوسيط، أو جزءًا من تاريخ العالم، أوشك أن يُلحقه لدى الماركسيين الدوغمائيين أو الرسميين بالمراحل الأربع المعروفة، فلم يبق ما يمكن فعله. ومن جهة ثانية، فإن الإصرار على خصوصية تاريخ الإسلام وثقافته، يدنينا مرة أخرى من اعتبار المسلمين كائنات انثروبولوجية ما خضعت للتطور التاريخي.

وقد استمر هذا التجاذب والجدال، أو بعبارة أخرى التساؤل عن الاستشراق، وهل هو علم أم لا، إلى أن ظهرت مدرسة الحوليات، ومدرسة التاريخ العالمي، فصار ممكنًا دراسة هذه المنطقة من العالم بطريقة سياقية لا تنافي ذاتيتُها عالميتَها. ولعل خير دليل على ذلك دراسات مارشال هودجسون وفرنان بروديل وجانيت او لُغد. الأولى بعنوان:"مغامرة الإسلام: الوعي والتاريخ في حضارة عالمية"، والثانية بعنوان:"البحر المتوسط في عهد فيليب الثاني". والثالثة بعنوان:"ما قبل الهيمنة الأوروبية"، وقام الباحثون هؤلاء بدراسة الحضارة الإسلامية في سياق التاريخ العالمي المزامن، أي في القرون ما بين الثالث عشر والثامن عشر للميلاد.

أوضح أنور عبد الملك في دراسته الرائدة"الاستشراق في أزمة" (1963) أن المشكلة في التخصص الاستشراقي مزدوجة. هناك أولًا النقد الاستعماري، الذي يعتبر الإستشراق بطرائقه الفيلولوجية والتاريخانية من مواريث عصر الاستعمار. وهناك ثانيًا النقد العلمي الذي يعتبر أن الاستشراق لم يفد من الثورة الحاصلة في العلوم الاجتماعية والتاريخية.

وجاءت دراسة ادوارد سعيد عام 1978 ساحقة لجهة أنها أثبتت (أو أقنعت بذلك) أن الاستشراق تخصص استعماري، أي انه نشأ في حضن الاستعمار، ونقل أطروحاته، أو انه حشر الإسلام والشرق في صورة أشبعت وتُشبع طموحات الغرب ومطامعه في استعمار، واستمرار امتلاك، الإسلام والعالم الإسلامي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت