فالشرع يفرق بين حكم متماثلين ظاهرًا بسبب القصد والنية، فهذا زواج المحلِل محرم والزواج الشرعي مباح، والسبب أن قصد المحلِل التحليل أو هو قصد للطرفين سواءً سرًا أو علانية، فأثرت النية في العقد فأبطلته، وحينما فارقت النية المنهي عنها العقد في الزواج الشرعي جاز ذلك العقد، وكذلك اللفظ أو العرف أو الإشارة تؤثر بالعقود، فلو أن رجلًا اقترض من آخر ألف روبل وأراد أن يردها له ألفًا ومائة بدون اتفاق جزاءً له بالحسنى فهذا جائز، ولكنه لو اتفق معه أو أشار له أو تعارف أهل البلد بأنه لا بد من رد القرض أكثر من أصله لكان ذلك ربًا محرمًا، وأيضًا لو صلى إمام رياءً وخلفه مأموم مخلص، لبطلت صلاة الإمام وقبلت صلاة المأموم، فالعمدة في ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم كما جاء عن عمر في الصحيحين (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) .
فالنية هي مناط تغير الحكم والتفريق بين المتماثلين ظاهرًا في الأحكام الشرعية، ومن المتماثلات لقتيل المعركة التي فرق بينها الشارع، قول الرسول صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيحين عن أبي موسى (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) فهذا بينه وبين من قال عنه الرسول صلى الله عليه وسلم فرق رغم تشابه الظاهر، وهو ما جاء عند مسلم والترمذي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أول ثلاثة تسعر بهم النار فذكر منهم مجاهد وقال:(فيؤتى به فيعرف نعمة الله فيعرفها فيقال ماذا فعلت فيقول قاتلت فيك فيقول كذبت بل قاتلت ليقال شجاع فيؤخذ فيلقى في النار على وجهه) ، فهذا ظاهره يشبه ظاهر من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، ولكنه لاختلاف الباطن استحق النار والأول استحق الجنة.