الأمة الإسلامية تحمل عقيدة نشطة تلزم أتباعها بالحفاظ عليها أولًا ثم الدعوة إليها، وذلك أنها تحمل كلمة الله وتطبق نظامه وشريعته، ومن أجل ذلك فالأمة تعمل -أو هكذا فرض عليها- لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، وبذلك ينقسم الناس مع هذه الأمة إلى مؤمن موال مؤيد وكافر معاند محارب أو مستأمن مسالم أو معاهد له شروطه ومدته، والأمة في حركتها النشطة بدعوتها، وقيامها بنشر رسالة الإسلام التي تؤمن أنها رسالة الله، وانقسام الناس معها على هذا النحو فإنها تخوض حروبًا، وتبرم عهودًا، وتجنح للسلم أحيانًا، وفي كل هذه الأحوال يحتاج الأمر منها إلى دراسة وافية لقوتها وقوة أعدائها، والشروط التي ينبغي أن توقع العهود بها، ومتى تجنح للسلم، ومتى تنشط في الحرب، وهذا كله لا يحتمله عقل واحد، ولا يحوطه رأي واحد، ولا يستطيع رجل واحد مهما بلغ علمًا وتقوى أن يصدر فيه عن الحق دائمًا، ولذلك كان أول مجالات الشورى في النظام الإسلام هو تنظيم وتخطيط سياسة الأمة في الحرب والسلم، ولأهمية هذا الباب من أبواب الشورى حصر كثير من علماء السلف الشورى فيه فقالوا قوله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: {وشاورهم في الأمر} هو في الحروب ما جرى مجراها. وذلك أنهم رأوا الرسول صلى الله عليه وسلم يكثر من استشارة أصحابه في هذا المجال كما استشارهم في بدر وأحد وفي فداء الأسرى، وفي مصالحة غطفان على ثلث ثمار المدينة .. الخ.
وأحب في هذا الصدد أن أبين للأخوة الكرام أن هناك فرقًا يجب مراعاته دائمًا بين النص من الكتاب أو السنة، والعمل بهذا النص. فالنص لا يتغير مدلوله وحكمه في أي عصر من عصور الإسلام ولا في أي مكان من الأرض، ولكن ظروف العمل بالنص تختلف حسب المكان والزمان والملابسات - وأرجو أن ننتبه جيدًا إلى هذا حتى لا يفهم كلامي على غير وجهه ولا يؤول إلى ما لا أريد وأقصد.
ففي القتال مثلًا آيات كثيرة بعضها يأمر بقتال من يقاتلنا فقط كقوله تعالى: {وقاتلوا الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا} .
وأخرى تأمر بقتال المشركين كافة كقوله تعالى: {وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة} .
وهناك آيات تأمر بالسلم إذا جنح إليه العدو كقوله تعالى: {وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله} وأخرى تأمر بالقتال وعدم الدعوة إلى السلم: {فلا تهنوا وتدعو للسلم وأنتم الأعلون} وليس هناك اختلاف بين هذه الآيات فلكل آية ظروفها وملابساتها وإذا كان هناك نسخ في بعضها قرره العلماء فإنما كان ذلك بحسب المدى الذي وصلت إليه أمة الإسلام، فالمسلمون قبل بدر سمح لهم بالقتال وكان حرامًا عليهم، وسمع لهم بقتال من قاتلهم فقط، والانتصار ممن ظلمهم وأخرجهم من ديارهم، ثم لما تألبت العرب عليهم ورمتهم عن قوس واحدة في الخندق، وأصبح بعد