فهرس الكتاب
النصر في هذه الغزوة للمسلمين طاقة بقتال الناس والكفار جميعًا أمرهم بذلك. ولا يعني هذا عند من يفهم شيئًا من دين الله عز وجل أن المسلمين في حال ضعفهم مفروض عليهم أن يعلنوا الحرب على الناس جميعًا من أول وهلة، ولكن السياسة الشرعية تقتضيهم أن يعملوا بكل نص حسب ظروفه ومقتضياته وأحواله دون إلغاء لما سواه من النصوص. ألا ترى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد عطل العمل بسهم المؤلفة قلوبهم وقال: لقد كان هذا وفي المسلمين ضعف أما الآن فلا، ولكنه لم يلغ النص ولم يعارضه وإنما ترك العمل به فقط في الظروف الذي أداه اجتهاده إلى أنه لا لزوم للعمل به فيه. وأنه عطل حد السرقة في عام الرمادة ولا يسمى هذا منه إبطالًا أو نسخًا. وملابسات الأمة الإسلامية وظروفها في كل عصر من العصور تلزمها اجتهادًا تضع به كل نص من النصوص في مكانه وملابساته الصحيحة ولا يمكن أن يصدر بهذا رأي رجل واحد، واجتهاد حاكم واحد ولا بد أن يجتمع لذلك ويقرر ذلك مجموع علماء الأمة ومجتهدوها ولا مكان ولا مجال له إلا بالشورى.
وأزيد هذا الأمر وضوحًا وهو واضح -بحمد الله- فأقول: لا يزعم زاعم منا أنه يقوم بكل أوامر الإسلام التي أمره الله بها وإنما يفعل -إن رزقه الله التقوى- في حدود الاستطاعة التي جعلها الله مناطًا للتكليف حيث قال: {فاتقوا الله ما استطعتم} وقال أيضًا: {ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها} فالمؤمن التقي يفعل في حدود استطاعته، ومعنى ذلك أنه يجد ويجتهد ويبذل الوسع والجهد المستطاع ومع ذلك لا يزعم لنفسه أنه قائم بكل ما كلفه الله به من عمل واجب كحضور جماعة الصلاة دائمًا والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله ..
وكذلك الشأن بالنسبة للأمة فإن الواجب على الأمة بمجموعها من الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى دين الله هو بحسب إمكانياتها وجهدها ووسعها. وإذا كان الفرد المسلم يستطيع أن يصل بمفرده إلى حدود وسعه وطاقته وما يجب عليه نحو أوامر الله عز وجل. فإن الفرد الواحد لو كان مجتهدًا لا يستطيع وحده أن يقرر مدى طاقة الأمة وما ينبغي عليها أن تقوم به نحو تنفيذ أوامر الله عز وجل لها بقتال الكفار والدعوة إلى دينه ولا يستطيع أيضًا أن يصل إلى الكيفيات والأحوال التي تشن فيها الحرب أو يركن فيها إلى السلم ولذلك كان لا بد من الشورى في هذا الميدان. أعني ميدان سياسة الأمة في الحرب والسلم والمعاهدات والدعوة، وستكون الشورى لاختيار حكم الله المناسب للظروف والحالة والمكان والزمان، ولن يعني هذا مطلقًا تعطيل أحكام أخرى في هذا المقام. وهذا سر قول الرسول صلى الله عليه وسلم لقواده في الغزو: [وإن أنت استنزلت أهل حصن فطلبوا منك أن تنزلهم على حكم الله وحكم رسوله فلا تفعل لأنك لا تدري أتصيب فيم حكم الله أم لا] وقد مضى شرح لهذا النص في موضع آخر من هذا الكتاب.