نظرية الذمة في الفقه الإسلامي
الشيخ حسن الجواهري
لمعرفة نظرية الذمة في الفقه الإسلامي نعرض ـ أولًا ـ ما قاله علماء الجمهور فيها، ثم نعرض ما قاله علماء الإمامية، ثم نتكلم فيما تخرب به الذمة إن كان هناك شيء تخرب به.
أولًا: ذكر السنهوري في الجزء الأول من كتابه (مصادر الحق) : أن الذمة هي: وصف شرعي يفترض الشارع وجوده في الإنسان، ويصير به أهلًا للإلزام وللالتزام، أي: صالحًا لأن تكون له حقوق وعليه واجبات. ولما كانت هذه الصلاحية التي ترتبت على ثبوت الذمة التي يسميها الفقهاء بـ (أهلية الوجوب) ـ إذ يعرفون هذه الأهلية بأنها: صلاحية الإنسان للحقوق والواجبات المشروعة ـ فإن الصلة ما بين الذمة وأهلية الوجوب صلة وثيقة، فالذمة هي: كون الإنسان صالحًا لأن تكون له حقوق وعليه واجبات، وأهلية الوجوب هي: هذه الصلاحية ذاتها. والذمة تلازم الإنسان، إذ يولد الإنسان وله ذمة بحكم أنه إنسان، ومن ثم تثبت له أهلية الوجوب فأهلية
الوجوب إذن تترتب على وجوب الذمة.
ولا يقتصر الفقه الإسلامي في الذمة على ما في الإنسان من الصلاحية للتملك والكسب ـ أي: على نشاطه الاقتصادي ـ فحسب، بل الذمة وصف تصدر عنه الحقوق والواجبات جميعها وإن لم تكن مالية: كالصلاة والصيام والحج، أو كانت مالية ذات صبغة دينية: كالزكاة وصدقة الفطر والعشر والخراج. ومن ثم كان نطاق الذمة واسعًا في الفقه الإسلامي، حتى قال البزدوي صاحب كتاب (فخر الإسلام) : إن الذمة لا يراد بها إلاّ نفس الإنسان.
وتبدأ الذمة ببدء حياة الإنسان وهو جنين، فتكون له ذمة قاصرة، إذ يجوز أن يرث، وأن يوصى له، وأن يوقف عليه. ثم يولد حيًا، فتتكامل ذمته شيئًا فشيئًا في المعاملات والعبادات والحدود حتى تصير كاملة، وتبقى ذمة الإنسان ما بقي حيًا، وتنتهى بموته، وانتهاء الذمة بالموت تختلف فيه المذاهب (1) .
وهذا المعنى الذي ذكره السنهوري مأخوذ من تعاريف علماء الجمهور للذمة:
فقد قال صاحب تنقيح الأصول: (إن الذمة وصف شرعي يصير به الإنسان أهلًا لما له وما عليه) (2) .
وقد عرفها صاحب حاشية الحموي على الأشباه والنظائر بأنها: أمر شرعي مقدر وجوده في الإنسان، يقبل الإلزام والالتزام (3) .