أما بلحاظ الديون الثابتة على الميت فذمة الميت باقية على حالها ما لم يوف دينه، ولا مجال لقيام الوارث مقامه، ويوفي دينه من تركته، ثم يورث المال كما قال تعالى: (من بعد وصية يوصى بها أو دين (( 20) .
إذن، فالإسلام يقول: لا علاقة لدين الميت بالورثة، وتبقى ذمة الميت مشغولة بالدين للآخرين، فيتمكن أن يتبرع عنه متبرع في أداء ما على ذمة الميت فتفرغ حينئذٍ، وقد يبرئه الدائن فتفرغ الذمة أيضًا، كما يمكن ضمانها، وعند التبرع والإبراء والضمان (21) تنتهي ذمة الميت، حيث إن العقلاء لا يعتبرون ذمة بعد ذلك.
هذا، وقد أقر الشارع المقدس هذا الفهم العقلائي للذمة، فقد وردت الروايات الكثيرة عن أئمة أهل البيت (عليه السلام) تقرر ما اعتبره العقلاء موجودًا حتى بعد الموت، فمن تلك الروايات:
1 ـ ما رواه محمد بن مسلم (في الصحيح) عن أبي جعفر (الباقر) (عليه السلام) حيث قال: (إن العبد ليكون بارًا بوالديه في حياتهما ثم يموتان فلا يقضي عنهما الدين ولا يستغفر لهما فيكتبه الله عاقًا، وأنه ليكون في حياتهما غير بار بهما فإذا ماتا قضى عنهما الدين واستغفر لهما فيكتبه الله بارًا ... ) (22) .
2 ـ وصحيحة صفوان بن يحيى، عن أبي الحسن (الرضا) (عليه السلام) في رجل قتل وعليه دين ولم يترك مالًا، فأخذ أهله الدية من قاتله، عليهم أن يقضوا دينه؟ قال: نعم، قلت: وهو لم يترك شيئًا، قال: إنما أخذوا الدية فعليهم أن يقضوا دينه (23) .
3 ـ وعن إبراهيم بن عبد الحميد، قال: قلت لأبي عبد الله (الصادق) (عليه السلام) : إن لعبد الرحمن بن سيابة دينًا على رجلٍ قد مات، وكلمناه على أن يحلله فأبى، قال: (ويحه، أما يعلم: أن له بكل درهم عشرة دراهم إذا حلله، فإن لم يحلله فإنما له درهم بدل درهم؟!) (24) . وهي تدل دلالة واضحة على أن الدين يبقى في ذمة الميت، ولا يسقط حتى إذا لم يكن للميت مال.
4 ـ وصحيحة عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (الصادق) (عليه السلام) في الرجل يموت وعليه دين فيضمنه ضامن للغرماء، فقال: (إذا رضي به الغرماء فقد برئت ذمة الميت) (25) .
وكل هذه الروايات تفيد: أن ذمة الإنسان باقية حتى إذا مات ولم يكف ما لديه لسداد الدين، أو لم يكن عنده شيء أصلًا، ولا تزول الذمة إلاّ بإبراء الديان، أو ضمان ما في ذمة الميت من قبل شخصٍ آخر قد رضي به الغرماء، أو بوفاء الدين من قبل ورثة الميت أو شخصٍ آخر.
وعلى ما تقدم من معنى الذمة عند فقهاء الإمامية فللذمة خصائص هي:
1 ـ لا ذمة للحيوانات، حيث إن العقلاء اعتبروا الذمة وعاءً في الإنسان، لما يجب عليه من حقوق مالية كلية، والحيوان لا يجب عليه حق مالي. نعم، إذا أتلف