الصفحة 4 من 11

وهذا التعريف أوقع صاحبه فيما فر منه (وهو الافتراض) ، إذ أن تعلق الديون بالإنسان لا يكون إلاّ اعتباريًا، فصاحب التعريف حول التعريف من افتراض المحل إلى افتراض التعلق.

خامسًا: وهناك تعريف خامس يفر من القول بأن: الذمة شيء افتراضي، ويقول: بأن الذمة في لسان الفقهاء لم تخرج عن أصل معناها اللغوي وهو العهد (13) ، فليس معنى قول الفقهاء: (ثبت في ذمة فلان كذا) إلاّ أنه ثبت بعهده، أو فيما تعهد به، أو التزمه، ويكفي لثبوت الواجبات أن الشارع كلفه بها.

وضعف هذا القول واضح؛ لا نتقاضه بالصغير والمجنون اللذين لا يصح منهما عهد، مع ان الحقوق تثبت عليهما ولو لم يكن لهما مال حيث تستوفى متى امتلكا مالًا.

كما ينتقض بالكبير العاقل إذا أتلف مال غيره من دون وعي، فإنه يتعلق بذمته الضمان مع عدم وجود تعهد سابق بالضمان.

الذمة ـ في الحقيقة ـ هي: وعاء اعتباري افترضه العقل للأموال الرمزية (التي لا وجود لها في الخارج) ؛ كي يكون موطنًا لتلك الأموال التي تتخذ كرمز للأموال الخارجية تطبق حين التنفيذ والأداء على الخارج للرمز على ذي الرمز.

ثم إن هذا الاعتبار العقلائي له فوائد كثيرة منها:

1 ـ ييسر المعاملات ويكيفها تكييفًا عقلائيًا، إذ قد يحتاج إنسان إلى أن يبيع شيئًا غير موجود له كما في السلم، أو يشتري بثمن لا يملكه. ولا طريق في هذه المعاملات إلاّ البيع للسلعة في ذمته تسلم بعد مدة معينة، أو الشراء بثمن في ذمته يسلم ـ أيضًا ـ بعد مدة معينة إشباعًا للقانون القائل: (لا بيع إلاّ في ملك) فإن البائع لشيء كلي وإن كان لا يملكه عند البيع كي يبيعه إلاّ أنه تكفي مالكية الإنسان لنفس ذمته التي هي من سنخ مالكيته لنفسه ولأعماله. فالإنسان أولى بإشغال ذمته من غيره، وهو أولى ـ أيضًا ـ بإبقائها على الفراغ.

2 ـ قد يمتلك الإنسان المال الخارجي وهو لا يريد أن يفقده، وفي نفس الوقت هو محتاج إلى إيقاع معاملة على سنخ ما يمتلكه، فلا طريق له إلاّ إيقاع المعاملة على الذمة.

3 ـ قد يقتضي القانون تغريم شخص ما من دون غرض في التحجير على ماله، كما إذا أتلف شخص مال غيره فيكون المتلف ضامنًا في ذمته لمن أتلف ماله، وبهذا يكون المتلف مالكًا لأمواله الخارجية، وهو حر في التصرف فيها، كما يكون من اتلف ماله قادرًا على التصرف فيما ثبت له في ذمة المتلف من بيع أو هبة مثلًا، وهذا فيه جمع بين الحقين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت