ويعلل صاحب كتاب (مرآة الأصول) ما تقدم بما خلاصته: إن الله تعالى قد ميز الإنسان عن سائر الحيوان بخصوصية من قوى ومشاعر كانت سببًا في أهليته لوجوب أشياء له وعليه، فتلك الخصوصية هي المراد بالذمة (4) .
والملاحظ على هذه التعاريف أمور كثيرة منها:
1 ـ ما ذكره الأستاذ مصطفى الزرقا من: أن هذه التعاريف تجعل الذمة ملازمة لأهلية الوجوب، مع أننا نعرف أن أهلية الوجوب ـ كما يصطلح عليها العلماء ـ هي: قابلية الإنسان لثبوت الحقوق له وعليه، ويعبر عنها بصلاحية الإلزام والالتزام، فصلاحية الإلزام ـ وهي: قابلية الإنسان لثبوت الحقوق له ـ هي ثابتة منذ كونه جنينًا كما ذكر ذلك الفقهاء، فقالوا بصلاحية الجنين لأن يوصى له أو يوهب أو يملك أو يرث، وهذا متفق عليه. وأما صلاحية الالتزام ـ أي: ثبوت الحقوق عليه ـ فهي تتوقف على أمرين:
أـ أهلية (قابلية) الإنسان لأن تجب عليه حقوق.
ب ـ محل مقدر يتسع لاستقرار تلك الحقوق فيه.
وفي الحقيقة: أن الذمة هي: الأمر الثاني من الأمرين وإن كان الأمران متلازمين في الوجود، ولكنهما متغايران في المفهوم، فإنه يلزم من كون الشخص أهلًا لتحمل الحقوق أن يكون في شخصه مستقر ومستودع لها، وإذا كان للشخص مستودع ومحل للحقوق ثبت كونه أهلًا للتحمل، إذن متى اعتبرت للشخص أهلية التحمل شرعًا اعتبرت له ذمة، ومتى اعتبرت له ذمة اعتبرت له أهلية التحمل، ولكن ليست تلك الأهلية هي الذمة نفسها، بل بينهما من الفرق ما بين معنى القابلية ومعنى المحل (5) .
والدليل على التغير في المفهوم مع التلازم في الوجود بين مفهومي الذمة وأهلية التحمل هو: أن الفقهاء في عباراتهم يصورون الحق والذمة في صورة الشاغل والمشغول، فيقولون: (إن ذمته مشغولة بكذا، ويقولون: إن الدين في الذمة وصف شاغل لها، فهذا يفيد: أن الذمة غير أهلية الوجوب التي هي مجرد قابلية، فلا يصح
أن يقال ـ مثلًا ـ: إن أهليته أو قابليته مشغولة بالدين (6) .
2 ـ ويمكن أن يورد على السنهوري إيراد آخر وهو: مخالفة ما ذكره لما قاله (البزدوي) ، إذ ذكر: أن الجنين ليس له ذمة، فقال: (إن ولي الطفل إذا اشترى بحكم ولايته شيئًا له بعد ولادته فإن الطفل يملكه ويلزمه الثمن. أما قبل الولادة فلا؛ لأنه كالجزء من أمه فليس له ذمة، فيكون صالحًا لأن يجب الحق له، لا لأن يجب عليه) (7) .
ثانيًاَ: معنى الذمة عند الأستاذ مصطفى الزرقاء: هو: أنها محل اعتباري في الشخص تشغله الحقوق التي تتحقق عليه (8) .