العلم والاشتغال به والعمل، فإن نفس الاشتغال بالعلوم الشرعية وتوابعها من أجل الطاعات، ثم حصول العلم للشخص هو من الأوصاف التي يحب لأجلها، ثم تعليمه للناس وعمله مما يجب عليه، فكل هذه الأمور موجودة في أهل العلم فلهم من الحق على أهل العلم وعلى غيرهم وأن يميزوا بهذا عن غيرهم لما لهم من المميزات، وإذا عثر أحدهم وغلط في مسألة علمية تعين ستر ما صدر منه ونصيحته بالتي هي أحسن ومن أعظم المحرمات وأشنع المفاسد إشاعة عثراتهم و القدح والفرح فيهم في غلطاتهم، وأقبح من هذا وأقبح إهدار محاسنهم عند وجود شيء من ذلك وربما يكون - وهو الواقع كثيرًا - أن الغلطات التي صدرت منهم لهم فيها تأويل سائغ، ولهم اجتهاد هم فيه معذورن، والقادح فيهم غير معذور.
وبهذا وأشباهه يظهر لك الفرق بين أهل العلم الناصحين، والمنتسبين للعلم من أهل البغي والحسد المتعدين، فإن أهل العلم الحقيقي قصدهم التعاون على البر والتقوى والسعي في إعانة بعضهم بعضا في كل ما عاد إلى هذا الأمر، وستر عورات المسلمين وعدم إشاعة غلطاتهم والحرص على تنبيههم بكل ممكن من الوسائل النافعة والذب عن أعراض أهل العلم والدين، ولا ريب أن هذا من أفضل القربات. ثم لو فرض أن ما أخطؤوا أو عثروا فيه ليس لهم فيه تأويل ولا عذر لم يكن من الحق والإنصاف أن تهدر المحاسن وتمحى حقوقهم الواجبة بهذا الشيء اليسير كما هو دأب أهل البغي والعدوان، فإن هذا ضرره كبير وفساده مستطير، أي عالم لم يخطئ وأي حكيم لم يعثر؟. وقد علمت نصوص الكتاب والسنة التي فيها الحث على المحبة والائتلاف والتحذير من التفرق والاختلاف، وأعظم من يوجه إليهم هذا الأمر أهل العلم والدين، فمتى لزموا هذه الأوامر الشرعية الحكيمة تبعهم الناس واستقامت الأحوال، ومتى أخلوا بذلك وحل محله البغي والحسد والتباغض والتدابر تبعهم الناس وصاروا أحزاباَ وشيعا وصارت الأمور في أطوار التغالب وطلب الانتصار ولو بالباطل ولم يقفوا على حد محدود، فتفاقم الشر وعظم الخطر، وصار المتولي لكبرها من كان يرجى منهم قبل ذلك أن يكونوا أول قامع للشر. وإذا تأملت الواقع رأيت أكثر الأمور على هذا الوجه المحزن)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أقول:
1 -كلام حق وصدق، لا نتجاوزه ولا نخالفه، لكن لا يلزم منه منع الردود وبيان الأخطاء .. وإلاّ فماذا نسمي ردود العلماء بعضهم على بعض.؟ بل ماذا نسمي ردود بعض الصحابة رضي الله عنهم على بعض .. ؟
2 -ذكرنا سابقًا عدم لزوم انتفاء المحبة أو الاجتماع عند وجود رد أو أكثر.
3 -العمومات لا تخدم في حالات محددة بعينها، فبما أن هذا البيان في مقام التأييد والدفاع عن بيان المثقفين فقد كان الواجب أن يكون واضحًا مقرونًا بالدليل على ما ورد فيه.
4 -ليت الشيخ ذكر من يقصد بأهل البغي والحسد المتعدين .. ؟ وكيف تحقق له معرفة هذا عنهم.؟
5 -الحديث هو عن أخطاء أعلنت وجمعت لها التواقيع ويراد للأمة أن تتبناها .. أفبعد هذا يصح أن يقال: اصمتوا ولا تتكلموا ولا تردوا، لأنكم تفرقون الصف وتمزقون الوحدة وتشتتون الكلمة، ونياتكم غير صافية ولديكم بغي وحسد .. إلخ .. غفر الله لنا وللشيخ وهدانا وإياه والمسلمين.
6 -عندما نتكلم عن خطأ بعينه، لا يجب علينا أن نقدم بذكر محاسن المردود عليه، وعلى هذا سار السلف رضي الله عنهم .. أما عند تقييمه أو الكلام عنه بشكل عام فلا مانع.