ج: الحمد لله رب العالمين، من المعلوم ولله الحمد أن من أعظم أصول أهل السنة أنهم يعرفون الحق ويرحمون الخلق، ولذلك كان علماء السنة ولا يزالون يعقدون المناظرات لأهل البدع، ليكشفوا لهم بدعهم المصادمة للنصوص، فلا يحكمون على معين بضلالة إلا بعد إقامة الحجة عليه، دليلهم في ذلك قول الله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) والعالم الإمام الراسخ في العلم الذي عُرِفَ عنه تحريه للحق في أبواب الدين، هو أولى بالاعتذار عنه من غيره، وغالبًا ما يؤتى العالم في خطئه من وجهين:
أ) التأويل وهو الأكثر.
ب) والجهل.
فقد يقول العالم بنص عام ويترك الخاص، أو يقول بالمنسوخ ويترك الناسخ، أو يقول بالمجمل ويترك المفصل، ويكون عذره في ذلك أنه لم يصله الدليل الآخر، أو قد يكون وصله لكنه لم يصح عنده، أو تأوله، إلى غير ذلك من المعاذير.
وقد يقع العالم في الكفر ويظن أن هذا دين وشرع محبوب لله ولرسوله، وذلك كما وقع من بعضهم القول بتأويل صفات الله، وتعطيلها مثل من نفى صفة العلو التي أجمع السلف على كفر من جحدها، وعذره في ذلك أنه لم يصله مذهب السلف، أو وصله وتأوله، وأهل السنة فيما بينهم أولى بالاعتذار من غيرهم، فلا يجوز تصنيف الواحد منهم بأنه ضال أو رأس بالضلال، أو إخراجه من دائرة السنة أو أنه مبتدع أو جاهل، إلى غير ذلك من الألقاب القبيحة، لمجرد أنه وقع في هفوة أو كبوة، فليس يخلو أحد من ذلك، ولذلك قالوا: (لكل جواد كبوة، ولكل سيف نبوة) ، فإن هذا حرام في الدين، لا ينبغي إقتحامه إلا بعد إقامة الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافرًا أو عاصيًا أو فاسقًا أو مبتدعًا بحسب خطئه، وما زال السلف الأوائل يخالف بعضهم بعضًا ويجادل بعضهم بعضًا ولم يحكم أحد على آخر بأنه ضال أو مبتدع، إذا بان له أنه لم يكن متبعًا للهوى، وفي هذا إشارة لطيفة إلى أدب