الصفحة 100 من 140

إلى القول أعظم من الذي يقول به، والذي يُعاقب مخالفه أعظمُ من الذي يدعو فقط ... ومع هذا فالذين كانوا من ولاة الأمور يقولون بقول الجهمية، ويدعون الناس إلى ذلك ويُعاقبونهم، ويُكفرون من لم يُجبهم، ومع هذا فالإمام أحمد -رحمه الله تعالى- ترحمّ عليهم، واستغفرَ لهم، لعلمه بأنهم لم يُبَيَّنُ لهم أنهم مكذبون للرسول - صلى الله عليه وسلم - ولا جاحدون لما جاء به، ولكن تأولّوا فأخطئوا، وقلّدوا من قال لهم ذلك ...". [1] "

فهذا هو شأن الأئمة مع المتأولين، فقصد المتأولين إصابة الحق، وعدم قصدهم تكذيب الرسول - صلى الله عليه وسلم - وعدم جحدهم ما جاء به، مانع من موانع تكفير المُعيّن منهم مع قولهم بأقوالٍ مُكفّرة.

أما حكام زماننا فقد تبيّن لكل ذي بصيرة ونظر أنهم قصدوا مخالفة الشريعة، بل أعلنوا في دساتيرهم وقوانينهم: أن السيادة للشعب، والسيادة هي سلطةٌ عليا مطلقة لها الحق في تقييم الأشياء والأفعال، وهذا يعدل في ديننا اسم الرب: السيد والصمد والحكم، وهو عين الكفر، وعين مضاهاة حكم الله، وعين الإعراض والإباء، فكيف ساوى هؤلاء العُميان والجهلة بين رجلٌ أعلن أن الله هو صاحبُ الأمر والنهي، ولكنه أخطأ في فهم الأمر والنهي، وبين رجل رفض أن يكون الأمرُ والنهي لله تعالى، بل جعله لنفسه؟ فهل هذا كهذا يا عباد الله؟ نعوذ بالله من الخذلان.

ولذلك مما أجمع عليه علماؤنا أن التشريع كفر كما قال الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى في كتابه الاعتصام الجزء الأول صـ 61 قال:"وأجمعوا كذلك أن تبديل الدين شركٌ وكفر"وقال ابن تيمية -رحمه الله تعالى-"والإنسان متى حلل الحرام المجمع عليه، أو حرّم الحلال المجمع عليه، أو بدل الشرع المجمع عليه، كان كافرًا مرتدًا باتفاق الفقهاء". [2]

فهل ما فعله هؤلاء الحكام أنهم أرادوا تطبيق حكم الله تعالى فأخطئوا في تطبيقه، أم أنهم ابتداءً قصدوا نبذ القرآن والسنة والأخذ بقول الإفرنج في التحليل والتحريم؟

إن من زعم أن هؤلاء الحكام المبدلين قد أرادوا الخير وتطبيق الشريعة ولكنهم أخطئوا الطريق فهو كاذبٌ عليهم أولًا ثمّ هو يكذبُ على نفسه، والواقع بكل ما فيه يرد عليه ويُكذبُه، إذ مخالفة هؤلاء الحكام للشريعة لا بسبب خطأ في فهمها ولكن بقصد مخالفتها ومضاهاتها ومضادتها، وهذا واضحٌ بيّن، بل هم يُصرحون أن الشريعة لا دخل لها في سياساتهم ولا في قوانينهم وإنما الدين هو بين العبد وربه فقط فيما يَزعُمون. فليتق هؤلاء ربهم ولا يُزوروا على الناس دينهم».

(1) أنظر"نواقض الإيمان القولية والعملية"للشيخ الدكتور عبد العزيز العبد اللطيف صـ52 - 53.

(2) مجموع الفتاوى 3/ 267.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت