الصفحة 99 من 140

الشبهة الثالثة: لماذا لم يُكفَّر المأمون؟

الشبهة الثالثة: وهي"لماذا لم يكفر الإمام أحمد رحمه الله تعالى المأمون الذي يقول بخلق القرآن"؟ توجّهت بهذا السؤال إلى الشيخ عمر بن محمود أبو عمر «أبي قَتادة الفلسطيني» حفظه الله تعالى، فأجاب مشكورًا بما يلي:

«مِنْ شُبَه بعضهم في عدم تكفير الحكام المبدلين لشريعة الرحمن ووجوب الخروج عليهم وعدم جواز عقد البيعة لهم قولهم: أن الأئمة وعلى رأسهم الإمام أحمد بن حنبل لم يكفّروا المأمون مع قوله بخلق القرآن ونفي صفات الباري ولم يخرجوا عليه. نقول وبالله التوفيق: إن هذه الشبهة لا تنطلي إلاّ على الجهلة وغمار الناس، وقائلها إما أنه جاهل أو أنه متلعب بدين الله تعالى، أمّا من كان عارفًا بحالنا، عالمًا بأي شيء كفر حكام اليوم، وهو عالمٌ كذلك بمذهب أئمة السلف مع المتأولين علم أنه لا يجوز المقارنة بحالٍ من الأحوال، إذ هناك فرقٌ كبيرٌ بين من أعرض عن الشريعة ونبذها عن قصد ونية، وبين المتأول الذي قصد الحق وأخطأه، فالمأمون ثم المعتصم لقولهم بخلق القرآن، ومن كان على طريقتهم من الجهمية وهم الذين ينفون صفات الله تعالى هؤلاء متأولون، وللمتأولين في ديننا وفي مذهب أهل السنة قول وحكم هو كالإجماع عند الأوائل وإن حصل فيه الخلاف عند المتأخرين.

التأويل: هو اعتقاد غير الدليل دليلًا، وصورته: أن يقول المرء قولًا أو يعتقد أمرًا أو يفعل فعلًا وهو يظن أن هذا القول وهذا الفعل وهذا الاعتقاد هو الحق الذي جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو في حقيقة الأمر وفي نفس الأمر ليس كذلك، فهو رجل يريد الحق ولا يُدركه، وهذا حال أهل البدع في أمّتنا فإِنهم يريدون الحق ولكنهم أخطأوه، والبدع قد تكون في العلْميات «كالبدع الاعتقادية» وقد تكون في العملِيات، وهؤلاء مع قولهم وفعلهم واعتقادهم المخالف للشريعة إلاّ أن قصدهم يعذرهم في نفس الأمر، ولهذا نهى الأئمة عن تكفير المتأوّلين، وقد كتب ابن حزم كتابًا في هذا ذكره في كتابه"إحكام الأحكام"، وهذا مذهب أهل السنة خلافًا للخوارج والمعتزلة فإنهم يُكفّرون المخالفين، أما أهل السنة فمع اعتقادهم أن بعض أقوال المخالفين هي كفرٌ بعينها ولكن يمتنعون عن تكفير كل قائل لها، إذ هناك فرق بين التكفير بالنوع وبين تكفير العين، وهذا يعرفه صغار طلبة العلم. قال ابن تيمية رحمه الله تعالى:"الأقوال التي يكفر قائلها، قد يكون الرجل لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحق، وقد تكون عنده، ولم تثبت عنده، أو لم يتمكن من فهمها، وقد يكون قد عرضت له شبهات يعذره الله بها، فمن كان من المؤمنين مجتهدًا في طلب الحق وأخطأ، فإن الله يغفرُ لهُ خطاياه كائنًا من كان، سواءً كان في المسائل النظرية، أو العملية، هذا الذي عليه أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وجماهير أئمة الإسلام"إلى أن قال:"كان الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- يُكفرّ الجهمية المنكرين لأسماء الله وصفاته، لأن مناقضة أقوالهم لما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - ظاهرةٌ بينة ... لكن ما كان يُكفّرُ أعيانهم، فإن الذي يدعو"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت