الصفحة 95 من 140

الشبهة الأولى: كفرٌ دون كفر

الشبهة الأولى هي التفسير الخاطئ لقول ابن عبّاس - رضي الله عنه -، حيث قال أن الكفر الوارد بالآية {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} هو"كفرٌ دون كفر".

يقول الدكتور صلاح الصاوي حفظه الله تعالى في معرض رده على هذه الشبهة أنه: «دَرَجَ المبطلون في هذا العصر على أن يشغبوا [وهو تهييج الشر] على ما سبق تقريره مما دلَّ عليه الكتاب والسنة وانعقد عليه إجماع الأمة من كفر من بدّل شرائع الله تعالى، أو ردَّ أحكام الله تعالى، بالقول بأن هذا الأمر من جنس الذنوب والمعاصي التي لا تخرج من الملة؟ وحجتهم في ذلك أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب إلاّ إذا استحلّه، وأن كثيرًا [والصواب هو بعضٌ] من أهل العلم ذكر في تفسير قوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} [المائدة: 44] قول ابن عباس وطاووس ومجاهد وغيرهم أن هذا كفرٌ دون كفر، وأنه ليس كمن كفر بالله تعالى وملائكته، ويقولون إن التَّكفير بذلك هو منهج الخوارج الذين كانوا يكفرون مخالفيهم من أهل القبلة معتمدين على مثل هذه النصوص وعلى مثل قوله تعالى: {إن الحكم إلاّ لله} [يوسف: 40] . والعجيب أن هذه الشبه دخلت إلى أروقة المحاكم الوضعية التي انتصبت لمحاكمة التيار الإسلامي، فتجد ممثّلي الادعاء العام يبدءون ويعيدون في تكرار هذه المقولة متهمين أبناء الحركة الإسلامية بأنهم يرددون مقولات الخوارج؟ وأن مجتمعاتنا المعاصرة لم تنكر لله حكمًا ولم تردّ له أمرًا فلا يصدق عليها وصف الكفر الوارد في الآية، بل ولا يلحقها إثمٌ كذلك، نظرًا للظروف الدقيقة التي تمرّ بها الأمة الإسلامية في واقعنا المعاصر» . [1]

هذه هي جملة أقوالهم، وقد قام بالردّ على هذه الشبهة جمعٌ من العلماء الأفاضل، ولكن خشية الإطالة أقتصر على ردّ الشيخ أحمد شاكر وأخوه محمود شاكر رحمهما الله تعالى، قال الشيخ العلامة أحمد شاكر في"عمدة التفسير"تعليقًا على أثر ابن عباس المشار إليه أن: «هذه الآثار عن ابن عباس وغيره مما يلعب بها المضللون في عصرنا هذا من المنتسبين للعلم ومن غيرهم من الجراء على الدين يجعلونها عذرًا أو إباحة للقوانين الوثنية الموضوعة التي ضُربت على بلاد الإسلام، وهناك أثرٌ عن أبي مجلز في جدال الإباضية الخوارج إياه فيما كان يصنع بعض الأمراء من الجور فيحكمون في بعض قضائهم بما يخالف الشريعة عمدًا إلى الهوى أو جهلًا بالحكم، والخوارج من مذهبهم أن مرتكب الكبيرة كافر، فهم يجادلون يريدون من أبي مجلز أن يوافقهم على ما يرون من كفر هؤلاء الأمراء ليكون ذلك عُذرًا لهم فيما يرون من الخروج عليهم بالسيف، وهذان الأثران رواهما الطبري [تحت رقم] «12025» و «12026» وكتب عليهما أخي محمود محمد شاكر تعليقًا نفيسًا جدًا قويًا صريحًا ... » ثم قال: «فكتب أخي محمود محمد شاكر بمناسبة

(1) تحكيم الشريعة وصلته بأصل الدين صـ41.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت