الصفحة 96 من 140

هذين الأثرين ما نصّه: «اللهم إني أبرأ إليك من الضلالة، وبعد فإن أهل الريب والفتن ممن تصدّروا الكلام في زماننا هذا قد تلمس المعذرة لأهل السلطان في ترك الحكم بما أنزل الله، وفي القضاء في الأموال والأعراض والدماء بغير شريعة الله التي أنزلها في كتابه وفي اتخاذهم قانون أهل الكفر شريعة في بلاد الإسلام، فلمّا وقف على هذين الأثرين، اتخذهما رأيًا يرى صواب القضاء في الأموال والأعراض والدماء بغير ما أنزل الله، وأن مخالفة شريعة الله في القضاء العام لا تكفر الراضي عنها والعامل عليها ... ومن البيّن أن الذين سألوا أبا مجلز من الإباضية إنما كانوا يريدون أن يُلزموه الحجة في الأمراء لأنهم في معسكر السلطان، ولأنهم ربما عصوا وارتكبوا بعض ما نهاهم الله عن ارتكابه، ولذلك قال لهم في الخبر الأول «12025» فإن هم تركوا شيئًا منه عرفوا أنهم قد أصابوا ذنبًا، وقال لهم في الخبر الثاني «12026» «انهم يَعملون بما يَعلمون أنه ذنب» وإذن فلم يكن سؤالهم عما احتج به مبتدعة زماننا من القضاء في الأموال أو الدماء والأعراض بقانونٍ مخالف لشريعة الله، ولا في إصدار قانونٍ ملزم لأهل الإسلام، بالاحتكام إلى غير حكم الله في كتابه وعلى لسان نبيه - صلى الله عليه وسلم - فهذا الفعل إعراضٌ عن حكم الله ورغبة عن دينه، وإيثارٌ لأحكام أهل الكفر على حكمه سبحانه وتعالى، وهذا كفرٌ لا يشكُّ فيه أحدٌ من أهل القبلة على اختلافهم في تكفير القائل به والداعي إليه، والذي نحن فيه اليوم هو هجرٌ لأحكام الله عامة بلا استثناء، وإيثارُ أحكامٍ غير حكمه في كتابه وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - وتعطيلٌ لكل ما في شريعة الله، بل بلغ مبلغ الاحتجاج على تفضيل أحكام القانون الموضوع على أحكام الله المنزلة، وادّعاء المحتجين لذلك بأن أحكام الشريعة إنما أنزلت لزمان غير زماننا ولعلل وأسباب انقضت فسقطت الأحكام كلها بانقضائها، فأين هذا مما بيّنا في حديث أبي مجلز والنفر من الإباضية من بني عمر بن سدوس؟ ولو كان الأمر على ما ظنوا في خبر ابن مجلز أنهم أرادوا مخالفة السلطان في حكم من أحكام الشريعة فإنه لم يكن يحدث في تاريخ الإسلام أن سنّ حاكمٌ حكمًا وجعله شريعة ملزمة للقضاء بها، وهذه واحدة، والأخرى أن الحاكم الذي حكم في قضية بعينها بغير حكم الله فيها فإنه إمّا يكون حكم بها وهو جاهل، فهذا أمره أمر الجاهل بالشريعة، وإما أن يكون حكم بها هوىً ومعصية، فهذا ذنبٌ تناله التوبة، وتلحقه المغفرة، وإما أن يكون حكم بها متأولًا حكمًا خالف به سائر العلماء، فهذا حكمه حكم كل متأوّلٍ يستمد تأويله من الإقرار ببعض الكتاب وسنن الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وأما أن يكون في زمان أبي مجلز أو قبله أو بعده، حاكمٌ حكمَ في أمرٍ جاحدًا بحكمٍ من أحكام الشريعة، أو مؤثرًا لأهل الكفر على أحكام أهل الإسلام، فذلك لم يكن قط، فلا يمكن صرف كلام أبي مجلز والإباضية إليه، فمن احتج بهذين الأثرين وغيرهما في غير بابها وصرفها إلى غير معناها، رغبةً في نُصرةِ سلطان أو احتيالًا على تسويغ الحكم بغير ما أنزل الله وفرض على عباده، فحُكْمُه في الشريعة كالجاحد لحكم من أحكام الله أن يستتاب فإن أصر وكابرَ وجحد حكم الله ورضيّ بتبديل الأحكام، فحكم الكافرِ المصر على كفره معروفٌ لأهل هذا الدين"». [1] "

(1) أنظر"عمدة التفسير"4/ 156 - 158 و"تفسير الطبري"1/ 348 طبع دار المعارف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت