الصفحة 111 من 140

الشبهة السادسة: أنظمة اليوم لا تكفر لأنّها لم تقم بالتشريع وإنّما ورثت قوانينها عمّن سبقها [1]

«قد يرد على بعض الناس القول بأنّ هذه النظم لم تبتدئ ردّ الأحكام وتبديل شرائع الإسلام، وإنّما توارثت ذلك عن نظم سابقة، وهي تسعى جاهدة إلى التغيير.

ولا شكّ أنّ هذه الشبهة تعدّ من أبرز الشبهات التي يعتمد عليها فريق كبير من الناس، سواء منهم من يتعمّدون التلبيس والكذب وهم يعلمون، أو من فتنوا بهم وهم يحسبون أنّهم يعلمون.

والجواب على ذلك في مسألتين:

-المسألة الأولى: أنّه قد علم بالضرورة من دين الإسلام، بل من دين الرسل جميعًا، أنّه لا فرق في الحكم العام بين من يكفر بالحقّ ابتداءً، وبين من يتوارث ذلك عن غيره مع الرضا والمتابعة.

فلا فرق بين ابتداء تحريف التوراة والإنجيل، وبين من توارث ذلك من اليهود والنصارى من بعد، ما داموا مقرّين ومتابعين.

ولا فرق بين من ابتدع عبادة الأصنام، وبين من تعبّد لها بعد ذلك تقليدًا ومتابعةً.

ولا فرق بين عمرو بن لحي الخزاعي -وهو أوّل من غيّر دين إبراهيم فأدخل الأصنام إلى الحجاز ودعا إلى عبادتها من دون الله وشرع من الدين ما لم يأذن به الله- وبين من تابعه على ذلك من العرب من بعد.

ولقد خاطب القرآن الكريم أهل الكتاب بما ارتكبه آباؤهم من قبل، وما ذلك إلاّ لإقرارهم له ورضاهم به، فقال تعالى: {وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أُنزِل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحقّ مصدّقًا لما معهم قل فلمَ تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين} [البقرة: 91] .

يقول لهم: إن كنتم صادقين في دعوى الإيمان بما أُنزِلَ عليكم، فلِمَ قتلتُم الأنبياء الذين جاؤوكم بتصديق التوراة التي بين أيديكم وقد أُمِرتم باتّباعهم وتصديقهم، وهذا خطاب لليهود الذين كانوا في زمن النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، ومعلوم أنّ أحدًا من هؤلاء لم يرتكب شيئًا من ذلك، وإنّما هو أمرٌ جناه آباؤهم من قبل، فخوطبوا به لرضاهم به وإقرارهم له. ومثل ذلك كثير في القرآن.

-المسألة الثانية: إنّ القول بأنّ هذه النظم تسعى جاهدة إلى التغيير، وأنّ ذلك ينفي شبهة الرضا والمتابعة، أمرٌ يحتاج إلى تفصيل.

(1) أجاب عليها الدكتور صلاح الصاوي في كتابه: «فاعلم أنّه لا إله إلاّ الله» صـ90 - 91.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت