الصفحة 117 من 140

وسبب الردّة هنا: هو مخالفة هذا القول للنصوص الدالّة على أنّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لم يحكم إلاّ بشريعة الإسلام، وأنّ القرآن ناسخ لما قبله من الشرائع كقوله تعالى {وأنزلنا إليك الكتاب بالحقّ مصدّقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله} [المائدة: 48] . وقال - صلى الله عليه وسلم: «لو كان موسى حيًّا ما وسعه إلاّ اتّباعي» [الحديث رواه أحمد والدارميّ] ، فكيف يتّبع النبيّ - صلى الله عليه وسلم - كتاب موسى مع هذا؟ ومصداق هذا الحديث من كتاب الله قوله تعالى {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثمّ جاءكم رسول مصدّق لما معكم لتؤمنُنّ به ولتنصرنّه قال أَأقرَرْتم وأخذتم على ذلك إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين} [آل عمران: 81] . فجميع النبيين أقرّوا أنّه إذا بعث محمّد - صلى الله عليه وسلم - في حياتهم ليتّبعونه، فكيف يتّبع محمّد شريعة موسى عليهما الصلاة والسلام؟

وسبب هذه الشبهة ما ورد في إحدى روايات حديث رجم اليهوديين اللذين زنيا، وفيها قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «فإنّي أحكم بما في التوراة، فأمر بهما فرُجِمَا» [الحديث رواه أحمد وأبو داود] ، والردّ على هذا من وجهتين:

الأولى: أنّ هذه الرواية ليست ممّا يُحتجّ بها، فقد ذكر ابن حجر أنّ في سندها رجل مبهم. [1]

الثانية: أنّها إذا صحّت هذه الرواية فإنّه ينبغي فهمها على أساس ما ذكرنا من أنّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لم يحكم إلاّ بالإسلام، وينبغي في ردّ المتشابه إلى هذا المحكم، فيكون معنى قوله «فإنّي أحكم بما في

(1) فتح الباري جـ12 صـ170 - 171.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت