الصفحة 147 من 234

الكتاب كذلك! - لهذه الدعوة ولهذه الحركة سواء في اليمن أم في الشام أم فيما وراء اليمن ووراء الشام إلى آخر الزمان! .. إنها طبائع الأشياء .. إنها أولا طبيعة المنهج الإسلامي التي يعرفها جيدا - ويستشعرها بالفطرة - أصحاب المناهج الأخرى! طبيعة الإصرار على إقامة مملكة اللّه في الأرض ، وإخراج الناس كافة من عبادة العباد إلى عبادة اللّه وحده وتحطيم الحواجز المادية التي تحول بين «الناس كافة» وبين حرية الاختيار الحقيقية .. ثم إنها ثانيا طبيعة التعارض بين منهجين للحياة لا التقاء بينهما في كبيرة ولا صغيرة وحرص أصحاب المناهج الأرضية على سحق المنهج الرباني الذي يتهدد وجودهم ومناهجهم وأوضاعهم قبل أن يسحقهم! .. فهي حتمية لا اختيار فيها - في الحقيقة - لهؤلاء ولا هؤلاء! وكانت هذه الحتمية تفعل فعلها على مدى الزمن ، وعلى مدى التجارب وتتجلى في صور شتى ، تؤكد وتعمق ضرورة الخطوة النهائية الأخيرة التي أعلنت في هذه السورة ولم تكن الأسباب القريبة المباشرة التي تذكرها بعض الروايات إلا حلقات في سلسلة طويلة ممتدة على مدى السيرة النبوية الشريفة ، وعلى مدى الحركة الإسلامية منذ أيامها الأولى ..

وبهذه السعة في النظرة إلى الجذور الأصيلة للموقف ، وإلى تحركاته المستمرة ، يمكن فهم هذه الخطوة الأخيرة. وذلك مع عدم إغفال الأسباب القريبة المباشرة ، لأنها بدورها لا تعدو أن تكون حلقات في تلك السلسلة الطويلة. [1]

"هذه الاحكام النهائية التي يتضمنها هذا المقطع تحتوي تعديلات أساسية في القواعد التي كانت تقوم عليها العلاقات من قبل بين المجتمع المسلم وأهل الكتاب - وبخاصة النصارى منهم - فلقد كانت وقعت المواقع قبل ذلك مع اليهود ولكن حتى هذا الوقت لم يكن قد وقع منها شيء مع النصارى."

والتعديل البارز في هذه الأحكام الجديدة هو الأمر بقتال أهل الكتاب المنحرفين عن دين اللّه حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون .. فلم تعد تقبل منهم عهود موادعة ومهادنة

(1) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (3 / 1586)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت