الصفحة 86 من 234

{وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ } (58) سورة الأنفال..

وفى نقضهم لهذا العهد الذي جاءوا هم به من تلقاء أنفسهم ، وأعطوه عن رضى واختيار ـ في نقضهم لهذا العهد ، الذي هو في الواقع عهدهم ، خيانة لأنفسهم ، فوق أنه خيانة للعهد من حيث هو عهد ، يجب الوفاء به على أي حال.

وفى قوله تعالى: « وَهُمْ لا يَتَّقُونَ » بعد وصفهم بقوله سبحانه: « ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ » في هذا إشارة إلى أنّهم متحللون من كل قيد يمسك بهم على خلق فاضل ، ويقيمهم على مبدأ كريم .. إنهم لا يتقون أي محظور تحظره الشرائع السماوية ، أو تجرّمه القوانين الوضيعة والمواضعات الخلقية.والمراد بهؤلاء الذين ينقضون العهد الذي عاهدوا عليه الرسول ، هم جماعات اليهود الذين كانوا بالمدينة ، يثيرون الفتن ، ويذيعون المنكر ، ويحيكون الدسائس ، وينتهزون الفرصة المواتية لينالوا من النبي والمؤمنين ما يريدون من شر.

ثم إن هذا الحكم هو حكم عام ، يقيمه المسلمون دائما فيما بينهم وبين الكافرين ..وقوله تعالى: « فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ » .هو الجزاء الذي أمر اللّه سبحانه وتعالى نبيّه الكريم أن يلقى به هؤلاء الكافرين ، الذين لا يؤمنون باللّه أبدا ، والذين ينقضون عهدهم مع النبىّ ، ويلقونه في الجبهة المحاربة له كلما سنحت الفرصة لهم ، سواء أكان ذلك بأشخاصهم ، أم بأموالهم وأسلحتهم ، يمدّون بها أعداء المسلمين ..فهؤلاء الذين يقفون من النبىّ ودعوته ، هذا الموقف اللئيم المخادع ، لا عهد لهم ، ولا ذمة لهم عند النبىّ والمسلمين ، ما داموا قد غدروا ونكثوا .. فليس لهم عند النبىّ والمسلمين إذا ظفروا بهم في حرب ، أو أمكنتهم أيديهم منهم في أي موقف ـ ليس لهم إلا الضربة القاصمة القاضية ، وإلا البلاء ينصب عليهم انصبابا ، ينالهم في أنفسهم ، وأموالهم وأهليهم ، وذلك ليكونوا عبرة لغيرهم ، ومثلا سائرا في الناس ، لكل من ينقض

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت