الصفحة 195 من 234

«لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ، عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ ، حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ ، بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ، فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ ، لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ، عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ، وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ» ..

ولم يقل: جاءكم رسول منكم. ولكن قال: «من أنفسكم» وهي أشد حساسية وأعمق صلة ، وأدل على نوع الوشيجة التي تربطهم به. فهو بضعة من أنفسهم ، تتصل بهم صلة النفس بالنفس ، وهي أعمق وأحس.

«عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ» .. يشق عليه عنتكم ومشقتكم.

«حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ» .. لا يلقي بكم في المهالك ، ولا يدفع بكم إلى المهاوي فإذا هو كلفكم الجهاد ، وركوب الصعاب ، فما ذلك من هوان بكم عليه ، ولا بقسوة في قلبه وغلظة ، إنما هي الرحمة في صورة من صورها. الرحمة بكم من الذل والهوان ، والرحمة بكم من الذنب والخطيئة ، والحرص عليكم أن يكون لكم شرف حمل الدعوة ، وحظ رضوان اللّه ، والجنة التي وعد المتقون.

ثم ينتقل الخطاب إلى الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - يعرفه طريقه حين يتولى عنه من يتولى ، ويصله بالقوة التي تحميه وتكفيه: « فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ: حَسْبِيَ اللَّهُ ، لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ، عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ، وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ» .فإليه تنتهي القوة والملك والعظمة والجاه ، وهو حسب من لاذ به وحسب من والاه.إنه ختام سورة القتال والجهاد: الارتكان إلى اللّه وحده ، والاعتماد على اللّه وحده ، واستمداد القوة من اللّه وحده ..

«وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ» ..وبعد فإن هذه السورة المحكمة تحتوي بيان الأحكام النهائية في العلاقات الدائمة بين المجتمع المسلم وسائر المجتمعات حوله - كما بينا في خلال عرضها وتقديمها - ومن ثم ينبغي أن يرجع إلى نصوصها الأخيرة بوصفها الكلمة الأخيرة في تلك العلاقات وأن يرجع إلى أحكامها بوصفها الأحكام النهائية المطلقة ، حسبما تدل عليها نصوص السورة. كما ينبغي ألا تقيد هذه النصوص والأحكام النهائية بنصوص

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت