{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ} (104) سورة المائدة..
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ:""وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا"قَالَ: كَانُوا إِذَا دُعُوا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ، قَالُوا: بَلْ نَتَحَاكُمْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ، وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالا بَعِيدًا". [1]
فيه تسفيه لأحلام هؤلاء الضالين .. فقد أطبق عليهم الجهل ، واشتمل عليهم السّفه والضلال. فليس مصيبة الإنسان في أن يضلّ عن جهل ، أو يتعثّر من عشى أو عمى ، ولكن المصيبة كلها في أن ينبّه من ضلاله ثم لا ينتبه ، ويقاد من يده فيأبى أن يتبع قائده .. إن ذلك هو الضلال المبين ، والتّيه الذي لا عودة منه ، ولا أمل في نجاة وراءه.فهؤلاء الضالون إذا دعاهم داعى الحق إلى أن يردّوا من شرودهم ، وإلى أن يعودوا إلى كتاب اللّه ، وما تحمل آياته البينات من هدى ونور ، وإلى رسول اللّه ، وما يحمل بين يديه وعلى شفتيه من أقباس الحق وأضوائه ـ إذا دعوا إلى هذا الهدى ، لوّوا رءوسهم ، ولووا وجوههم ، وقالوا « حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا » أي أن هذا الذي نحن فيه هو الخير لنا ، والسلامة لأنفسنا ولأهلينا .. إننا نحيا حياة آبائنا ، ونسعى سعيهم ، ونقفو آثارهم .. إننا ـ والحال كذلك ـ نسير على طريق معلوم ، مأنوس بخطو آبائنا وأجدادنا ، فكيف ندعى إلى السّير في طريق لم يسلكه أحد قبلنا ؟ وكيف نغامر هذه المغامرة بالدخول في تلك التجربة الجديدة ، التي لا ندرى ما وراءها ؟ .
وقد ردّ القرآن الكريم على هذا السفه ، وهذا الجمود الغبيّ ، بما يفحم ويخرس. « أو لو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون ؟ » .. أفهذا منطق يأخذون به أنفسهم ؟ وتلك حجة يقيمونها بين يدى ضلالهم وغيّهم ؟ إنه لو أخذت الحياة بهذا المنطق ، وقبلت هذه
(1) - تفسير ابن أبي حاتم - (4 / 228) (5589)