الحجة ، لكان على الناس أن يمسكوا بالزمن أن يتحرك ، وبالأشياء أن تظل على حال واحدة ، لا تتحول عنها أبدا.ولكن أنّى للناس أن يفعلوا هذا ؟ وأنّى للحياة أن تستجيب لهم لو أرادوا ؟
إن الحياة وأشياءها في تحول وتطور .. وفى كل لحظة تلبس الحياة ثوبا جديدا ، وتبلى قديما .. وهكذا تبلى وتجدّد: وتخلع وتلبس ..وماذا يبقى للإنسان من عقله ، بل ماذا يبقى له من وجوده ، إذا لم يكن له حرية التحرك في الحياة ، والنظر في كل جديد يطلع عليه منها ، ثم الأخذ بما يقضى به العقل المتحرر من قيود التقاليد ، ممّا يراه حقا وخيرا ؟ وإنه لبالغ من ذلك ما فيه خيره وسعادته ، إذ لا يغيب عن نظر العاقل وجه الخير ، ولا تخفى عليه سمته .. فالحلال بين والحرام بيّن .. « وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَلَا الظُّلُماتُ وَلَا النُّورُ وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ » (19 ـ 22: فاطر) « وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ » (12: فاطر) . [1]
إن ما شرعه اللّه بيّن. وهو محدد فيما أنزل اللّه ومبين بما سنه رسوله .. وهذا هو المحك. وهذه هي النقطة التي يفترق فيها طريق الجاهلية وطريق الإسلام. طريق الكفر وطريق الإيمان .. فإما أن يدعى الناس إلى ما أنزل اللّه بنصه وإلى الرسول ببيانه فيلبوا .. فهم إذن مسلمون. وإما أن يدعوا إلى اللّه والرسول فيأبوا .. فهم إذن كفار .. ولا خيار ..
وهؤلاء كانوا إذا قيل لهم: تعالوا إلى ما أنزل اللّه وإلى الرسول ، قالوا: حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا! فاتبعوا ما شرعه العبيد ، وتركوا ما شرعه رب العبيد. ورفضوا نداء التحرر من عبودية العباد للعباد ، واختاروا عبودية العقل والضمير ، للآباء والأجداد.
ثم يعقب السياق القرآني على موقفهم ذاك تعقيب التعجيب والتأنيب: «أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ؟» ..
وليس معنى هذا الاستنكار لاتباعهم لآبائهم ولو كانوا لا يعلمون شيئا ولا يهتدون ، أن لو كان يعلمون شيئا لجاز لهم اتباعهم وترك ما أنزل اللّه وترك بيان الرسول! إنما هذا
(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (4 / 59)