الصفحة 43 من 234

تقرير لواقعهم وواقع آبائهم من قبلهم. فآباؤهم كذلك كانوا يتبعون ما شرعه لهم آباؤهم أو ما شرعوه هم لأنفسهم. ولا يركن أحد إلى شرع نفسه أو شرع أبيه ، وبين يديه شرع اللّه وسنة رسوله ، إلا وهو لا يعلم شيئا ولا يهتدي! وليقل عن نفسه أو ليقل عنه غيره ما يشاء:

إنه يعلم وإنه يهتدي. فاللّه - سبحانه - أصدق وواقع الأمر يشهد .. وما يعدل عن شرع اللّه إلى شرع الناس إلا ضال جهول! فوق أنه مفتر كفور! فإذا انتهى من تقرير حال الذين كفروا وقولهم التفت إلى «الذين آمنوا» يقرر لهم انفصالهم وتميزهم ويبين لهم تكاليفهم وواجبهم ويحدد لهم موقفهم ممن سواهم ويكلهم إلى حساب اللّه وجزائه لا إلى أي مغنم في هذه الأرض أو مأرب.

«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ، لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ، إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا ، فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» ..إنه التميز والمفاصلة بينهم وبين من عداهم. ثم إنه التضامن والتواصي فيما بينهم بوصفهم أمة واحدة.

«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ» ..أنتم وحدة منفصلون عمن سواكم ، متضامنون متكافلون فيما بينكم. فعليكم أنفسكم .. عليكم أنفسكم فزكوها وطهروها وعليكم جماعتكم فالتزموها وراعوها ولا عليكم أن يضل غيركم إذا أنتم اهتديتم. فأنتم وحدة منفصلة عمن عداكم وأنتم أمة متضامنة فيما بينها بعضكم أولياء بعض ، ولا ولاء لكم ولا ارتباط بسواكم.إن هذه الآية الواحدة تقرر مبادئ أساسية في طبيعة الأمة المسلمة ، وفي طبيعة علاقاتها بالأمم الأخرى.

إن الأمة المسلمة هي حزب اللّه. ومن عداها من الأمم فهم حزب الشيطان. ومن ثم لا يقوم بينها وبين الأمم الأخرى ولاء ولا تضامن ، لأنه لا اشتراك في عقيدة ومن ثم لا اشتراك في هدف أو وسيلة ولا اشتراك في تبعة أو جزاء. وعلى الأمة المسلمة أن تتضامن فيما بينها وأن تتناصح وتتواصى ، وأن تهتدي بهدي اللّه الذي جعل منها أمة مستقلة منفصلة عن الأمم غيرها .. ثم لا يضيرها بعد ذلك شيئا أن يضل الناس حولها ما دامت هي قائمة على الهدى.ولكن ليس معنى هذا أن تتخلى الأمة المسلمة عن تكاليفها في دعوة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت