وهو جهد ناصب لا يفرغ أبدا. لأن الصورة العبدية الهزيلة ما تني تنكمش وتهزل وتتضاءل كلما سكن من حولها النفخ والطبل والزمر والبخور والتسابيح والتراتيل. وما تني تحتاج كرة أخرى إلى ذلك الجهد الناصب من جديد! وفي هذا الجهد الناصب تصرف طاقات وأموال - وأرواح أحيانا وأعراض! - لو أنفق بعضها في عمارة الأرض ، والإنتاج المثمر ، لترقية الحياة البشرية وإغنائها ، لعاد على البشرية بالخير الوفير .. ولكن هذه الطاقات والأموال - والأرواح أحيانا والأعراض - لا تنفق في هذا السبيل الخير المثمر ما دام الناس لا يدينون للّه وحده وإنما يدينون للطواغيت من دونه.
ومن هذه اللمحة يتكشف مدى خسارة البشرية في الطاقات والأموال والعمارة والإنتاج من جراء تنكبها عن الدينونة للّه وحده وعبادة غيره من دونه .. وذلك فوق خسارتها في الأرواح والأعراض ، والقيم والأخلاق. وفوق الذل والقهر والدنس والعار! وليس هذا في نظام أرضي دون نظام ، وإن اختلفت الأوضاع واختلفت ألوان التضحيات.
« ولقد حدث أن الذين فسقوا عن الدينونة للّه وحده ، فأتاحوا لنفر منهم أن يحكموهم بغير شريعته ، قد وقعوا في النهاية في شقوة العبودية لغيره. العبودية التي تأكل إنسانيتهم وكرامتهم وحريتهم ، مهما اختلفت أشكال الأنظمة التي تحكمهم ، والتي ظنوا في بعضها أنها تكفل لهم الإنسانية والحرية والكرامة.
«لقد هربت أوربا من اللّه - في أثناء هروبها من الكنيسة الطاغية الباغية باسم الدين الزائف - وثارت على اللّه - سبحانه - في أثناء ثورتها على تلك الكنيسة التي أهدرت كل القيم الإنسانية في عنفوان سطوتها الغاشمة!
ثم ظن الناس أنهم يجدون إنسانيتهم وحريتهم وكرامتهم - ومصالحهم كذلك - في ظل الأنظمة الفردية (الديمقراطية) وعلقوا كل آمالهم على الحريات والضمانات التي تكفلها لهم الدساتير الوضعية ، والأوضاع النيابية البرلمانية ، والحريات الصحفية ، والضمانات القضائية والتشريعية ، وحكم الأغلبية المنتخبة ... إلى آخر هذه الهالات التي أحيطت بها تلك الأنظمة .. ثم ماذا كانت العاقبة؟ كانت العاقبة هي طغيان «الرأسمالية» ذلك الطغيان الذي أحال كل تلك الضمانات ، وكل تلك التشكيلات ، إلى مجرد لافتات ، أو إلى مجرد