يَقُولُ: ذَلِكَ وَلَا يَجِبُ بِهِ الِاشْتِبَاهُ لِأَنَّ الْقَدِيمَ هُوَ الْمُتَقَدِّمُ فِي وُجُودِهِ بِشَرْطِ الْمُبَالَغَةِ، وَالْتَقَدِّمُ فِي الْوُجُودِ هُوَ الْوُجُودُ، وَالْوُجُودُ لَا يُوجِبُ الِاشْتِبَاهَ عِنْدَ أَحَدٍ، فَكَذَلِكَ الْتَقَدِّمُ فِي الْوُجُودِ لَا يُوجِبُ الِاشْتِبَاهَ، وَلِأَنَّ الْقِدَمَ وَصْفٌ مُشْتَرَكٌ يُقَالُ: شَيْخٌ قَدِيمٌ، وَبِنَاءٌ قَدِيمٌ، وَعِرْجُونٌ قَدِيمٌ، فَالِاشْتِبَاهُ لَا يَقَعُ بِالِاشْتِرَاكِ فِي الْوَصْفِ الْمُشْتَرَكِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الِاشْتِبَاهُ يَقَعُ بِالِاشْتِرَاكِ فِي الْقِدَمِ، لَكَانَ يَقَعُ بِالِاشْتِرَاكِ فِي الْحَدَثِ، فَلَمَّا لَمْ يَقَعْ بِالِاشْتِرَاكِ فِي الْحَدَثِ، لَمْ يَقَعْ بِالِاشْتِرَاكِ فِي الْقِدَمِ، وَلِأَنَّ عِنْدَنَا حَقِيقَةَ الْمُشْتَبِهِينَ هُمَا الْغَيْرَانِ اللَّذَانِ يَجُوزُ عَلَى أَحَدِهِمَا جَمِيعُ مَا يَجُوزُ عَلَى صَاحِبِهِ وَينُوبُ مَنَابَهُ، وَصِفَاتُ اللهِ تَعَالَى لَيْسَتْ بِأَغْيَارٍ لَهُ، فَإِنْ قَالُوا: لَوْ كَانَ لَهُ عِلْمٌ لَمْ يَخْلُ مِنْ أَنْ يَكُونَ هُوَ أَوْ غَيْرَهُ أوْ بَعْضَهُ قِيلَ: هَذِهِ دَعْوَى بَلْ مَا يُنْكِرُ مِنْ عِلْمٍ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ هُوَ هُوَ لِاسْتِحَالَةِ أَنْ يَكُونَ الْعِلْمُ عَالِمًا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: غَيْرُهُ لِاسْتِحَالَةِ مُفَارَقَتِهِ لَهُ، وَمَعْنَى الْغَيْرَيْنِ مَا لَا يَسْتَحِيلُ مُفَارَقَةُ أَحَدِهِمَا لِصَاحِبِهِ بِوَجْهٍ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ بَعْضُهُ إِذْ لَيْسَ الْمَوْصُوفُ بِهِ مُتَبَعِّضًا، فَإِنْ قَالَ: لَوْ كَانَ لَهُ عِلْمٌ لَكَانَ عَرَضًا مُكْتَسَبًا، أَوْ مُضْطَرًا إِلَيْهِ، وَكَانَ اعْتِقَادًا مِنْ جِنْسِ عُلُومِنَا لِأَنَّ ذَلِكَ حُكْمُ الْعِلْمِ الْمَعْقُولِ، قِيلَ: لَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْعِلْمَ لَمْ يَكُنْ عِلْمًا لِأَنَّهُ عَرَضٌ أَوْ بِصِفَةٍ مِمَّا ذَكَرْتُمْ، وَإِنَّمَا كَانَ عِلْمًا لِأَنَّ الْعِالْمَ بِهِ يُعْلَمٌ، ثُمَّ يُنْظرُّ فَإِنْ كَانَ الْعِلْمُ مُحْدَثًا كَانَ عِلْمُهُ عَرَضًا مُكْتَسَبًا، أَوْ مُضْطَرًا إِلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْدَثًا لَمْ يَصِحَّ وَصْفُهُ بِمَا يُوجِبُ الْحَدَثَ، وَلَمَّا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا غَيْرَ مُعْتَقِدٍ، وَلَا مُكْتَسِبٍ وَلَا مُضْطَرٍّ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ لَهُ عِلْمٌ لَا يَصِحُّ وَصْفُهُ بِشَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْتُمْ، فَإِنْ قَالُوا: لَوْ كَانَ عَالِمًا بِعِلْمٍ لَكَانَ مُحْتَاجًا إِلَى عِلْمِهِ قِيلَ: لَا تَجُوزُ عَلَيْهِ الْحَاجَةُ لِأَنَّهُ غَنِيٌّ، لَيْسَ عِلْمُهُ، وَلَا سَائِرُ صِفَاتِهِ الذَّاتِيَّةِ أَغْيَارًا لَهُ، وَلَا أَبْعَاضًا حَتَّى يَصِحَّ وَصْفُهُ بِالْحَاجَةِ إِلَى غَيْرِهِ أَوْ إِلَى بَعْضِهِ، فَإِنْ قَالُوا: فَيَقُولُونَ إِنَّ عِلْمَهُ عِلْمٌ بِكُلِّ مَا يَصِحُّ أَنْ يُعْلَمَ قِيلَ: كَذَلِكَ نَقُولُ، وَلِذَلِكَ وَصَفَ اللهُ تَعَالَى عِلْمَهُ، فَقَالَ: { لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا } [الطلاق: 12] ، وَأَمَّا غَيْرُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِكُلِّ مَعْلُومٍ، فَلَمْ يَصِحَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ عِلْمٌ بِذَلِكَ، فَاللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَجِبُ كَوْنُهُ عَالِمًا بِكُلِّ مَعْلُومٍ، وَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عِلْمُهُ عِلْمًا بِكُلِّ مَا يَصِحُّ أَنْ يُعْلَمَ . وَالْكَلَامُ فِي سَائِرِ الصِّفَاتِ