الصفحة 63 من 234

«وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ، فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ. قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ» ..

إنها اللمسة المباشرة في هذه المرة .. اللمسة في ذات النفس البشرية. النفس البشرية الواحدة الموحدة الكنه والحقيقة في الذكر والأنثى. تبدأ الحياة فيها خطوتها الأولى للتكاثر بالخلية الملقحة. فنفس هي مستودع لهذه الخلية في صلب الرجل ، ونفس هي مستقر لها في رحم الأنثى .. ثم تأخذ الحياة في النمو والانتشار.

فإذا أجناس وألوان وإذا شيات ولغات وإذا شعوب وقبائل وإذا النماذج التي لا تحصى ، والأنماط التي ما تزال تتنوع ما دامت الحياة.

«قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ» ..فالفقه هنا ضروري لإدراك صنع اللّه في هذه النفس الواحدة ، التي تنبثق منها النماذج والأنماط. ولإدراك الموافقات العجيبة الكامنة وراء اتخاذ التلاقح وسيلة للإكثار وتوفير الأعداد المناسبة دائما من الذكور والإناث - في عالم الإنسان - لتتم عملية التزاوج التي قدر اللّه أن تكون هي وسيلة الإخصاب والإكثار. ووسيلة تنشئة الأطفال في ظروف تحفظ «إنسانيتهم» وتجعلهم أكفاء للحياة «الإنسانية» ! ولا نملك هنا في الظلال أن نبعد في عرض هذه المسألة بكل تفصيلاتها لجلاء هذه الموافقات - فهي في حاجة إلى بحث متخصص - ولكننا نذكر فقط كيفية نشأة النطفة ذكرا أو أنثى وكيف يتم عن طريق التوزيع الغيبي الرباني إنتاج القدر الكافي من الذكور ومن الإناث دائما لكي تتوافر الأعداد المناسبة لبقاء الحياة وامتدادها ..

ولقد ذكرنا من قبل عند تفسير قوله تعالى: «وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ» .. أن الذي يقرر صيرورة البويضة الملقحة ذكرا أو أنثى ، هو أن يجري قدر اللّه بأن يكون عدد كروموسومات الحيوان المنوي الذي يلتحم بالبويضة يرجح كروموسومات التذكير على كروموسومات التأنيث أو العكس ، وأن جريان القدر بهذا أو ذاك غيب من غيب اللّه. لا سلطان لأحد عليه إلا اللّه ..

هذا القدر الذي يجريه اللّه في كل مرة ، فيهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور ، يحافظ على توازن دائم في الأرض كلها بين عدد من يجري بهم ليكونوا إناثا ، وعدد من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت