مشرقة مضيئة ـ في رعاية العهد وحفظه والوفاء به.لقد أشارت الآية السابقة إلى ما يدبر أعداء الإسلام للمسلمين من كيد ،ومكر ، ونكث بالعهد ، ونفاق فيما عاهدوهم عليه .. وأنهم ينقضون العهد الذي أعطوه من أنفسهم للنبىّ .. في كل مرة يجيئون إليه فيها معاهدين ..
وحتى لا يعامل المسلمون أعداءهم بمثل عملهم هذا ، وحتى لا يدخل على نفوسهم شىء من هذا الداء الخبيث الذي استولى على نفوس أعدائهم ، من نقض العهد ، وخيانة الكلمة ـ حتى لا يكون شىء من هذا في مجتمع المسلمين ، جاءهم أمر اللّه ، فيما أمر به نبيه ، ورسم له فيه أسلوب العمل ، الذي يعامل به هؤلاء الناكثين للعهد .. فقال سبحانه: « وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ » . . أي إن استشعرت خيانة من قوم بينك وبينهم عهد ، وتوقعت أن ينكثوا هذا العهد على غرّة ، دون أن يؤذنوك بنكثه ، والتحلل منه ، فلا تفعل فعلهم ، ولا تنقض العهد منهم في خفاء بينك وبين نفسك ، كما يفعلون ، بل أنذرهم بذلك ، وأعلمهم إياه ، « على سواء » أي على وضوح كامل ، بصريح اللفظ ، دون التلويح به .. وذلك ليكونوا على بيّنة من أمرهم ، فلا يدخل في حسابهم بعد هذا ، العهد الذي بينك وبينهم ، وبهذا يسقط العهد من هذا الحساب ، ويعدّون أنفسهم للحرب ، كما أعدّ النبي والمسلمون أنفسهم لها. [1]
إن الإسلام يعاهد ليصون عهده فإذا خاف الخيانة من غيره نبذ العهد القائم جهرة وعلانية ولم يخن ولم يغدر ولم يغش ولم يخدع وصارح الآخرين بأنه نفض يده من عهدهم. فليس بينه وبينهم أمان ..
وبذلك يرتفع الإسلام بالبشرية إلى آفاق من الشرف والاستقامة ، وإلى آفاق من الأمن والطمأنينة .. إنه لا يبيت الآخرين بالهجوم الغادر الفاجر وهم آمنون مطمئنون إلى عهود ومواثيق لم تنقض ولم تنبذ ولا يروّع الذين لم يأخذوا حذرهم حتى وهو يخشى الخيانة من جانبهم .. فأما بعد نبذ العهد فالحرب خدعة ، لأن كل خصم قد أخذ حذره فإذا جازت
(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (5 / 644)