فهرس الكتاب

الصفحة 66 من 117

وقد سبق قول ابن تيمية رحمه الله: (فأما إذا كان المأمور والمنهي لا يتقيد بالممكن إما لجهله وإما لظلمه ولا يمكن إزالة جهله وظلمه فربما كان الأصلح الكف والإمساك عن أمره ونهيه كما قيل إن من المسائل مسائل جوابها السكوت) اهـ.

الدليل الخامس:

قول الله تعالى: {وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: من الآية 108]

قال ابن كثير رحمه الله: (يقول تعالى ناهيا لرسوله - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين عن سب آلهة المشركين، وإن كان فيه مصلحة، إلا أنه يترتب عليه مفسدة أعظم منها، وهي مقابلة المشركين بسب إله المؤمنين، وهو الله لا إله إلا هو .. ومن هذا القبيل ـ وهو ترك المصلحة لمفسدة أرجح منها ـ ما جاء في الصحيح أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"ملعون من سب والديه". قالوا يا رسول الله، وكيف يسب الرجل والديه؟ قال: «يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه» . أو كما قال، عليه السلام) .إهـ.

قال صاحب التحرير والتنوير رحمه الله: «ووجه النهي عن سب أصنامهم هو أن السب لا تترتب عليه مصلحة دينية لأن المقصود من الدعوة هو الاستدلال على إبطال الشرك وإظهار استحالة أن تكون الأصنام شركاء لله تعالى، فذلك هو الذي يتميز به الحق عن الباطل وينهض به المحق ولا يستطيعه المبطل، فأما السب فإنه مقدور للمحق وللمبطل فيظهر بمظهر التساوي بينهما، وربما استطاع المبطل بوقاحته وفحشه ما لا يستطيعه المحق فيلوح للناس أنه تغلب على المحق؛ على أن سب آلهتهم لما كان يحمي غيظهم ويزيد تصلبهم قد عاد منافيا لمراد الله من الدعوة، فقد قال لرسوله عليه الصلاة والسلام {وجادلهم بالتي هي أحسن} وقال لموسى وهارون عليهما السلام {فقولا له قولا لينا} فصار السب عائقا عن المقصود من البعثة فتمحض هذا السبّ للمفسدة ولم يكن مشوبا بمصلحة. وليس هذا مثل تغيير المنكر إذا خيف إفضاؤه إلى مفسدة؛ لأن تغيير المنكر مصلحة بالذات وإفضاؤه إلى المفسدة بالعرض. وذلك مجال تتردد فيه أنظار العلماء المجتهدين بحسب الموازنة بين المصالح والمفاسد قوة وضعفا وتحققا واحتمالا، وكذلك القول في تعارض المصالح والمفاسد كلها، وحكم هذه الآية محكم غير منسوخ، قال القرطبي: (قال العلماء: حكمها باق في هذه الأمة على كل حال فمتى كان الكافر في منعة وخيف أنه إن سب المسلمون أصنامه أو أمور شريعته أن يسب هو الإسلام أو النبي عليه الصلاة والسلام أن الله عز وجل لم يحل للمسلم أن يسب صلبانهم ولا كنائسهم لأنه بمنزلة البعث على المعصية)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت