فهرس الكتاب
فصل عظيم النفع جدا، وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة أوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به)
مثال على ما سبق:
ذكرنا أن القدرة والنظر في المآل معتبران شرعا في تغيير المنكر .. فلا يجب تغيير المنكر عند العجز، وكذا إذا نجم عنه منكر أكبر منه .. ومن الأمثلة التي يكثر فيها الجدل:"مسألة هدم الأصنام والقباب"..
والذي يظهر لي والعلم عند الله تعالى ما يلي:
أولا: الأصل كما قال العلماء رحمهم الله وجوب إزالتها لمن قدر .. قال القرطبي رحمه الله في تفسير قوله تعالى {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} [الإسراء:81] : (في هذه الآية دليل على كسر نصب الأوثان إذا غلب عليهم) .
وقال ابن حجر الهيتمي رحمه الله: (والأصنام والصلبان وآلات الملاهي والأواني المحرمة لا يجب في إبطالها شيء لوجوبه على القادر عليه) [تحفة المحتاج 6/ 29] .
وقال زكريا الأنصاري: (يلزم المكلف القادر كسر الأصنام) [أسنى المطالب 2/ 346] .
قال ابن القيم رحمه الله في فوائد قصة ثقيف: (ومنها: أنه لا يجوز إبقاء مواضع الشرك والطواغيت بعد القدرة على هدمها وإبطالها يوما واحدا، فإنها شعائر الكفر والشرك وهي أعظم المنكرات فلا يجوز الإقرار عليها مع القدرة البتة وهذا حكم المشاهد التي بنيت على القبور التي اتخذت أوثانا وطواغيت تعبد من دون الله والأحجار التي تقصد للتعظيم والتبرك والنذر والتقبيل لا يجوز إبقاء شيء منها على وجه الأرض مع القدرة على إزالته) [زاد المعاد 3/ 506] .
ثانيا: هذا الواجب هو كسائر الواجبات الدينية متعلق بقدرة المكلف كما رأيت في كلام العلماء .. كما يخضع للموازنة بين المصالح والمفاسد ..
قال ابن أبي العز الحنفي: (لا ينظر في الاستطاعة الشرعية إلى مجرد إمكان الفعل، بل ينظر إلى لوازم ذلك، فإن كان الفعل ممكنا مع المفسدة الراجحة لم تكن هذه استطاعة شرعية) [شرح الطحاوية] .. فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قادرا على هدم الأصنام بمكة؛ لكنه أخر ذلك لما بعد فتح مكة مراعاة للمآلات، مما يوضح معنى الاستطاعة الشرعية، فإن قال قائل: لم يهدمها في مكة لان ذلك سيؤدي لمفاسد عظيمة، فهذا يعني أنه يشرع مراعاة المفاسد والمصالح حتى في باب التوحيد والشرك؛