فهرس الكتاب
ـ ولو مع الضعف وعدم القدرة ـ بدليل فعل إبراهيم الخليل عليه السلام لما هدم أصنام قومه مع عدم قدرته على مجابهتهم ـ لذلك قذفوه في النار فنجاه الله سبحانه ـ .. وكما روى الإمام أحمد والحاكم وابن أبي شيبة وغيرهم عن علي رضي الله عنه قال: «انطلقت أنا والنبي - صلى الله عليه وسلم - حتى أتينا الكعبة فقال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اجلس، وصعد على منكبي فذهبت لأنهض به فرأى مني ضعفا فنزل وجلس لي نبي الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: اصعد على منكبي، قال: فصعدت على منكبيه، قال: فنهض بي، قال: فإنه يخيل إلى أني لو شئت لنلت أفق السماء، حتى صعدت على البيت وعليه تمثال من نحاس فجعلت أزاوله عن يمينه وعن شماله وبين يديه ومن خلفه حتى إذا استمكنت منه قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم: اقذف به فقذفت به، فتكسر كما تتكسر القوارير» ، فالوجوب إنما هو عند القدرة، أما المشروعية فيشرع هدمها مطلقا؛ فإنه يشرع هدم الأصنام في كل زمان ومكان على أية حال ولكن لا يجب إلا عند القدرة عليها).
وفرق بين الوجوب والمشروعية .. فلا ينكر على الهادم وإن جاز مناقشته في المصالح والمفاسد .. ولا يؤثم التارك المدعي عدم القدرة أو المفسدة الراجحة، وإن جاز مناقشته فيما يدعي كذلك ..
خامسا: يقول الشيخ أبو محمد المقدسي حفظه الله: (فإذا كنا نهيب بالمجاهدين ونحذرهم من التنازل عن شيء من الأصول إرضاء للناس، فإننا نوصيهم بعدم التعنت فيما هو دون ذلك من الوسائل والمتغيرات(ومن كل ما يسمى تكتيكي) مما هو منوط بالسياسة الشرعية، وهذا باب مهم ممكن بسببه ـ إن أتقن المجاهدون إعماله ـ تأليف قلوب الناس واستيعابهم وكسب كثير من الأنصار والتحالفات وعدم تنفير طائفة كبيرة من الناس، وليتذكروا أن المداراة من أخلاق المؤمنين وأنها ليست مداهنة ولا منقصة، وتكون تارة ببذل الدنيا والتنازل عنها من أجل الدين أو الدنيا، وتارة ببذل أدنى المصلحتين لتحصيل أعلاهما واحتمال أدنى المفسدتين بدفع أعظمهما .. وأن ذلك من السياسة النبوية.
وإن أهملوا ذلك صاروا منفرين وخسروا من الخير الشيء الكثير، وليتذكروا في هذا الباب كثيرا من الأمور التي أجلها النبي - صلى الله عليه وسلم - كليا دون نقضها في سبيل مصالح أرجح من الإصرار عليها وإن استعظم التنازل عن ذلك أصحابه، ومنها عدم تركيزه ـ أي الرسول - صلى الله عليه وسلم - ـ على هدم الأصنام الحسي طوال الفترة المكية وأكثر العهد المدني، وتركيزه في المقابل على الأمر الأهم، وهو هدمها في نفوس الناس ودعوتهم إلى البراءة من الشرك وأهله.
ومما يؤكد هذا المعنى ويوضحه أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يتنازل عن الأمر الأهم طوال حياته وفي أحلك الظروف