فهرس الكتاب

الصفحة 75 من 117

وأكثرها استضعافا له ولأصحابه في مكة وغيرها، وصبر على الأذى والابتلاء وعداوة قومه وصدهم الناس عن دعوتهم وتأليبهم القبائل عليه، ولم يتنازل عن هذا الأمر العقدي المهم؛ فهو كالإستراتيجي في عرف أهل زماننا لا سبيل لتأجيله أو المساومة عليه بينما تنازل عن الأقل أهمية وهو هدم الأصنام حسيا طوال مدة إقامته في مكة تقريبا وأغلب العهد المدني ورغم حصوله على المأوى والأنصار حتى أنه دخل مكة في عمرة القضاء في أواخر السنة السابعة مع أصحابه معمرا طائفا بالبيت وحوله 360 صنما ما مس منها صنما وهو يصدع بالتوحيد ويقاتل عليه، فدل هذا على أن هدم الشرك من نفوس الناس أعظم وأهم من هدمه حسيا، وأن الأول ثابت من الثوابت، لا يمكن التهاون به أو تأجيله أو التفريط به أو المساومة عليه، بل يبقى ظاهرا معلنا حتى كان يشار بالأصابع عليه ويحذر منه بسببه ويعادى عليه ويؤذى من أجله هو وأصحابه.

أما الآخر ـ الحسي ـ فهو أقل أهمية غير مستعجل ـ غير مضيق ـ ومنوط بالاستطاعة والتمكين والقدرة، وإذا كان قد بذل في سبيل الأول دمه ودماء وأرواح كثير من أصحابه، واستعمل لأجله السيوف والرماح والقوى ورباط الخيل والقتل والقتال، فما استعمل في الثانية إلا عودا كان بيده جعل يطعن به الأصنام وهو يقول: «جاء الحق وزهق الباطل، جاء الحق وما يبدي الباطل وما يعيد» كما في صحيح البخاري.

ولذلك فنصيحتي لإخواني في كل البلاد في تونس ومالي والجزائر وليبيا والشام واليمن والعراق وغيرها أن يتحروا هذا الباب ويدرسوه جيدا ويستعملوه في نصرة الدين وعدم تعجل أشياء قبل أوانها، كالتركيز على تغيير بعض المنكرات والظواهر الحسية والسعي في هدمها قبل العزة والتمكين، إن كانت تشتت معركتهم.

وحذار من التركيز على هدم القبور وتفجيرها وإهمال هدم الشرك والباطل والمنكر في قلوب الناس واستعدائهم بأشياء قد وسع الله تعالى فيها عليهم بسياسة من هو أتقى منا ومنهم وأورع منا ومنهم وأحرص منا ومنهم على الدين) اهـ.

سادسا: تأخير تنفيذ الحكم الشرعي لعارض معتبر لا يعني تعطيله أو إلغاؤه .. قال ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين: (وتأخير الحد لعارض أمر وردت به الشريعة، كما يؤخر ـ أي الحد ـ عن الحامل والمرضع، وعن وقت الحر والبرد والمرض. فهذا تأخير لمصلحة المحدود، فتأخيره لمصلحة الإسلام

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت