لقد كان جيل الصحابة رضوان الله تعالى عليهم جيلًا فريدًا يسمع ليطيع، ويؤمَر لينقاد، ويُزجَر لينتهي، وما كانوا ليترددوا في إعمال معاني آيات التنزيل وتطبيقها أوسع ما يكون الإعمال وأحسن ما يكون التطبيق، ولقد تقدم معنا في سبب نزول هذه الآية قصة أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما مع أمها حيث قدمت عليها في المدة التي كانت فيها المهادنة بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين كفار قريش فأهدت إلى أسماء بنت أبي بكر الصديق قرطًا وأشياء فكرهت أسماء رضي الله عنها أن تقبل منها حتى أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، وهذا لعمر الحق غاية التحري والانقياد لأمر الله تعالى في قطيعة الشرك والكفر وأهله مهما كانت الصلات والعلائق، وهكذا نزل قوله تعالى:"لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين. إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولّوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون" [82] ، وتمثل هاتان الآيتان منهجًا عمليًا شرعيًا للتعامل مع الكفار لا بد من الوقوف على معالمه وتحرير ضوابطه، وفيما يلي بيان ذلك:
أولًا: معاملة الكفار المسالمين: