الصفحة 24 من 36

تقدم معنا في أسباب النزول كيف كان مجيء قتيلة (أم أسماء) وهي مشركة إلى ابنتها أسماء رضي الله عنها وكيف أنها كانت متوددة لها بالهدية ونحوها، وكيف أن أسماء رضي الله عنها استفتت رسول الله صلى الله عليه وسلم في كيفية التعامل معها بما يشعر أن الصحابة رضوان الله عليهم قد فهموا من الأمر بالتبرؤ من الكفار مطلق القطيعة، فنزلت الآية لتحرر المسألة تحريرًا دقيقًا، فجعلت للكفار المسالمين صفات تفسح للمسلمين مجالًا محددًا للتعامل معهم في شئون الحياة اليومية، وواضح أن هدف هذا التعامل هو عرض الإسلام على هذه الفئة التي يرجى هدايتها لما لم تناجز المسلمين الحرب - مع ملاحظة استقرار العداو الدينية في نفس الأمر لمجرد الكفر - وحددت الآية صفة هذه المسالمة في ودعِ الكفار قتال المسلمين وودع إخراجهم من ديارهم وتشريدهم منها، فهؤلاء رخص الله تعالى في التعامل معهم استثناءً من الأصل، وذكر ابن كثير أن المقصود بهؤلاء النساء والضعفة [83] ، في حين ذكر الإمام القرطبي أن هذه رخصة من الله تعالى في صلة الذين لم يعادوا المؤمنين ولم يقاتلوهم [84] ، ورجح الإمام القرطبي رحمه الله تعالى أن هذه الآية محكمة خلافًا لمن ادعى النسخ بآية السيف، وهو قول قوي وأكثر المفسرين عليه كما نقله رحمه الله تعالى، ولقد انتصر لهذا القول الشيخ محمد عطية سالم في تتمة أضواء البيان [85] ، والحقيقة إن دعوى النسخ ضعيفة لا سيما وأن الآية لا تعارض بينها وبين غيرها مما ادعي النسخ به، ذلك أن واقع الحال شاهد على وجود هذه الفئة، وإن أصول الشريعة دالة على وجوب المعاملة بالقسط والعدل، فمن بقي على عداوته الدينية ولم يتجاوز بها إلى حد مناجزة المسلمين بالسيف كان له حظه من البغض القلبي والعداوة الدينية دون اعتداء عليه بالسيف، فالبغض القلبي لهؤلاء انتصار لحق الله تعالى وكف اليد والسيف عنهم معاملة بالمثل لما كفوا عنا، وهذا غاية الإنصاف، بقيت مسألة خطرت لي في هذا الأمر وهي أن أصول الشريعة دالة على التبرؤ والقطيعة بيننا وبين الكفار وأن ما استثناه الشرع يجب الاقتصار فيه على ما ورد وعدم الاسترسال فيه، ومن يتأمل قصة أسماء رضي الله عنها مع أمها - وهي سبب نزول الآية على ما ترجح - قد يحسن به أن يقصر هذا الاستثناء على أقرباء المسلم من الكفار، وإن نصوص الشرع تقوي هذا المسلك منها الحديث المتقدم مع أسماء رضي الله عنها، ومنها قوله تعالى:"وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفًا" [86] فهذه الآية في الأبوين، وتأمل كيف ترجم الإمام البخاري رحمه الله تعالى لحديث أسماء المتقدم مع أمها بترجمة:"باب صلة الوالد المشرك"وهذا في غاية التحري والفقه منه رحمه الله تعالى حيث اقتصر على الوارد في الاستثناء من الأصل في التعامل مع الكفار وهو القطيعة والبراءة، والسر في هذا الاستثناء واضح في رجاء إسلام قرابات المسلم حين يُظهر لهم جانب اللين والموادعة تأليفًا لقلوبهم لا سيما وأن في الجبلة والطبع من الدوافع ما هو كفيل بتحري وطلب هدايتهم، وعليه فالذي يبدو والله تعالى أعلم أن الورع قد يكون في الاقتصار في هذه الرخصة على قرابات المسلم - لا سيما الوالدين - سدًا لذريعة الاسترسال مع الكفار ووقوفًا مع ما ورد به النص وإعمالًا لباقي النصوص والأصول، والله تعالى أعلم.

ثانيًا: معاملة الكفار المقاتلين:

وهذا هو الصنف الثاني من الكفار الذين لا تجوز موالاتهم بحال من الأحوال، ولقد تقدم هذا النهي في السورة آنفًا ولكن هذه الآية جاءت بالتأكيد من جهة وببيان معالم هذه العداوة والحرب من جهة أخرى، أما معالم هذه العداوة فتتمثل في ثلاثة أمور هي:

1)مناجزة المسلمين القتال: وهو مستفاد من قوله تعالى:"الذين قاتلوكم في الدين" [87] ، قال الإمام القرطبي:"أي جاهدوكم على الدين" [88] ، وهذا القيد - أعني قوله تعالى (في الدين) - قد خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، بمعنى أن أي قتال من الكفار للمسلمين يعتبر قتالًا يحرم معه تولي الكفار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت