إذا تقرر هذا فإذا غلب على ظن المطلوب أن الكافر الذي طلبه لن يظلمه أو يفتنه جاز له أن يستجيب ويذهب إليه خوفًا أو حذرًا من تصعيد الأمور أو تضخيمها، ومثل هذا موجود في كثير من الدول التي تتمسح بالحرية وحقوق الإنسان والديموقراطية ونحوها من مناهج الكفر المعاصرة، وليس هذا تأيدًا أو تحاكمًا لهذه المناهج والأنظمة والأفكار، لكن هو الاستفادة أو الانتفاع من أجوائها المفروضة والموجودة جبرًا، وهو كالاستفادة من العصبية القبلية أو العشائرية إذا ما فزع أهلها لنجدة موحد من قبيلتهم والقبيلة على الكفر، فمثل هذا؛ أي كون العصبية القبلية الجاهلية تنصر أخاها وهي لا تؤيد عقيدته لا يضر الموحد ولا يخدش في توحيده؛ أو يعتبر تأييدًا للجاهلية أو تحاكمًا لها!! بدليل ان الله تبارك وتعالى إمتن على النبي صلى الله عليه وسلم بإيوائه إلى عمه الكافر ونصرة عمه له فقال سبحانه وتعالى: {ألم يجدك يتيمًا فآوى} ، أي آواك إلى عمك الكافر، ومثله رهط شعيب الذين كانوا مانعًا دونه والكفار قال تبارك وتعالى مخبرًا عن أعداء نبيه: {ولولا رهطك لرجمناك} وقد كانوا كفارًا، وكذلك ولي نبي الله صالح عليه السلام الذي كان الكفار يحاذرونه: {قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون} .
فكون المرء يعلم أو يغلب على ظنه أن الكافر الذي يطلبه عليه من الموانع القانونية أو العرفية أو العصبية أو الجاهلية ما يمنعه من ظلمه أو فتنته فهذا مسوغ للذهاب إليه إن خاف فتنة أكبر أو تصعيدًا للأمور، والله تعالى أعلم، وتبقى الاستشارة والاستخارة في هذه الأبواب محمودة ممدوحة ...
بخلاف ما لو غلب على ظن الموحد أن الكافر قاتله إن ذهب إليه أو آسره فساجنه سجنًا طويلًا أو مؤبدًا فهذا محرم لأنه إلقاء بالنفس إلى التهلكة، وقد قال تبارك تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} (8) .