الصفحة 14 من 27

ومن استدل بقصة أبي بصير وقتاله للكفار هو وعصابة قليلة من المؤمنين المستضعفين الفارين من قريش؛ فينبغي أن يراعي الصورة التي استدل بها حق المراعاة إن كان طالب حق، فإن أبا بصير وقتاله وإغارته على قوافل قريش لم تكن تنسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولا كان يتحمل مسؤوليتها ولا تبعاتها، لأن القوم لم يكونوا محسوبين عند الكفار في ولاية الجماعة المسلمة، فكانت أعمالهم لا تؤثر سلبًا أو تجر مفسدة أو ضررا على الجماعة المسلمة أو قل على الدعوة إن شئت، فإن كان المستدل بها يراعي هذا في المفاسد والمصالح، فاستدلاله صحيح وعمله مشروع، ولذلك لما قتل أبو بصير الرجل العامري وهو أحد الرجلين الذين أرجعه الرسول صلى الله عليه وسلم معهما إلى قريش، لم تطالب قريش بديته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أنكرت عليه ذلك أو أثر في العهد شيئًا، لأن أبا بصير لم يكن آنذاك تحسب أعماله أو تنسب إلى الجماعة المسلمة لأنه لم يكن بعد قد دخل تحت ولايتهم وحكمها، ولذلك لم يلزمه العهد المبرم بينها وبين قريش، فلتفقه هذا جيدًا، فإن الأعمال العشوائية الغير مرتبطة بدليل شرعي تؤدي إلى الهلاك.

فإن قيل: (يشرع دفع الصائل وهذا من جنسه) ؟

قلنا: نعم إن تحقق أن صائلًا يريد قتلك أو فتنتك أو الإضرار بك ضررًا مبرحًا، فعند ذلك لا مجال للاختيار والترجيح إلا الفرار أو الدفع عن النفس حسب الطاقة والإمكان.

لكن ينبغي التنبه إلى أنه ليس كل طلب من الكفار أو أوليائهم يكون حاله حال الصائل الذي يريد قتلك أو فتنتك، فالأصل وضع الأحوال بأحجامها الحقيقية ووزنها بالميزان الشرعي، وعدم الانجرار والانسياق وراء الحماس والعاطفة الغير مضبوطة بميزان الشرع والمرء أعلم بأحواله وأحوال دعوته وإخوانه، فليتلطف وليشاور إخوانه وليستخير ربه، فما خاب من استشار ولا ندم من استخار.

وأخيرًا:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت