يؤمنوا بهذا الحديث أسفا""لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين"ولكن الله نهاه عن هذا، والنهي فيه هو النهي عما يقع من أعمال القلوب مما ليس في ملك العبد، وإنما محل النهي في أعمال القلوب التي لا يد للعبد فيها كقوله صلى الله عليه وسلم"لا تغضب": الاستجابة المقدور عليها والاسترسال في آثارها، واجتناب أسبابها فيما يكون للعبد يد في أسبابه، فنهى الله نبيه صلى الله عليه وسلم عن الحزن:"فلا تحزن عليهم ولا تكن في ضيق مما يمكرون"وعاتبه في قوله:"فإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين"."
والثاني: ترك الحق إن لم يقبله الناس، أو رأى من نتائجه ما لم يكن يظنه يقع، وهذا حال من ذكر الله عنهم"ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنةٌ انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين"وهو واد من أودية الضلالة نسأل الله السلامة.
وقد وقع من كثير من الدعاة تراجعات عن أصول ومبادئ يستندون فيها إلى التجربة، وهم كمن يزرع ويستعجل الحصاد فيحرث أرضه ويبطل ما صنع وزرع، وتمضي عليه السنون لا يخرج بطائل، ولا يتبين حقا من باطل.
-أن الجهاد ليس معلقا بمعركة بحيث إذا انهزم فيها المسلمون سقط الجهاد كله ولم تعد له قائمة، أو ذم هو وذم القائمون به بأنهم لم يحققوا نتيجة، بل المسلمون مأمورون بالجهاد ولو انهزموا مرات وكرات حتى يكون لهم النصر وحتى يدفع الأعداء، وفي التاريخ الإسلامي من ذلك عبرة، فإنه لما غزا التتار بلاد المسلمين فقد هزموا المسلمين مرارا كثيرة، وفي كل مرة يزدادون قوة ويزداد المسلمون ضعفا حتى اجتاحوا بغداد والشام وقتلوا من المسلمين مقتلة عظيمة، ولما محص الله المسلمين وتضرعوا إلى الله التقوا مع التتار في معركة عين جالوت، وهزموا التتار شر هزيمة ودفعوا شرهم عن المسلمين، فتعليق الجهاد بمعركة من أكبر عوامل الهزيمة النفسية لدى المسلمين ومن عوامل ضعفهم اليوم.
-أن كل دعوة إلى الحق على منهج الأنبياء لابد لأصحابها من ابتلاء قبل ظهور التمكين وهي من لوازم الطريق والمنهج، كما قال تعالى"الم * أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون * ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين"وقال ورقة بن نوفل للنبي صلى الله عليه وسلم لما أوحي إليه"ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك، قال:"أو مخرجي هم؟"قال: نعم لم يأت نبي قط بمثل ما جئت به إلا عودي"رواه البخاري، وقال تعالى"ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين * ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون"وقال تعالى"وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا"وقال تعالى"ولو شاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلوا بعضكم ببعض"وقد ابتلى الله نوحا وإبراهيم وموسى ومحمد صلى الله عليهم وسلم، فلما صبروا مكنهم أجمعين، وسأل رجل الشافعي رحمه الله: أيهما أفضل للرجل أن يمكن أو يبتلى؟ فقال: لا يمكن حتى