الصفحة 73 من 108

يقتصر النظر على الدنيا وما يحدث فيها أو النظر على بعض الجوانب المادية فيها دون نظر إلى الأمور المعنوية، فقد قتل المؤمنون في الأخدود أجمعين، وكان ذلك فوزا كبيرا بنص القرآن حين جمع إليه الثواب الأُخروي، وحين ثبتوا على دينهم ولم يعطوا الدنية فيه، ولم تقصر النظرة على الدنيا وما يحدث فيها أو النظرة إلى النصر المادي دون النظرة إلى النصر المعنوي الذي حققوه بثباتهم على مبادئهم حتى الموت وعدم انصياعهم للكفر وأهله، وأن الثبات على الدين والمبدأ أهم من النصر المادي ولو ترتب على ذلك زهوق الأرواح والأنفس والممتلكات.

ومن نظر في النتائج الدنيوية والأخروية علم أن الثمرة الأولى، والنتيجة الكبرى لعمل المؤمن هي ما بعد موته لا ما كان قبله كما قال عز وجل في بدر:"تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة"فهي المقصود الشرعي الأصلي، ولذلك ذكر الله ذلك في العقد بينه وبين المؤمنين"إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنةَ يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم"فلم يذكر في أصل العقد إلا الآخرة.

وقال عز وجل"يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم * تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفُسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون * يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم * وأُخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين"فجعل التجارة ما في الآخرة، وجعل النصر والفتح القريب هبة أُخرى ومزيدا من عنده جل وعلا ونسب حبها إليهم لا إليه.

وقال سبحانه لنبيه:"فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون * أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون * فاستمسك بالذي أُوحي إليك إنك على صراط مستقيمٍ".

ويأتي يوم القيامة النبي ليس معه أحد، والنبي ومعه الرجل والرجلان، فما قال أحد ولا يقول أحد يعقل عن الله ورسوله إن هؤلاء الأنبياء والصالحين خسروا، وإن التجربة دلت على بطلان طريقتهم وأن الصواب خلاف ما فعلوا.

ولا يقال هذا في ما وقع بالمسلمين في أحد، ولا ما لقيه الموحدون في الدرعية، ولا ما نال دولة الطلبة في قندهار، بل الأيام دول والحرب سجال، وإذا كان المقصود الأول ثواب الآخرة ولم ينقص منه شيء بل زاد، فإن الدنيا فضلة، وإقامةَ الدين والخلافة فيها واجب شرعي المطلوب فيه بذل الجهد والطاقة؛ فمن عجز فقد نال أجره كاملا، بل يلحق بالفضل الَّذي جاء في الحديث:"ما من غازية أو سرية تغزو فتغنم وتسلم إلا كانوا قد تعجلوا ثلثي أجورهم وما من غازية أو سرية تخفق وتصاب إلا تم أجورهم"كما روى مسلم من حديث ابن عمروٍ رضي الله عنه مرفوعا.

واشتراط النتائج في العمل من تكلف ما لم يأمر به الله، وتغيير المناهج عند تغير النتائج فرع على هذا التعدي على حق الله والتجاوز لحدوده، والنظر إلى النتائج والاهتمام بها يكون على وجهين:

الأول: التأثر لضلال الضالين، والضيق بعناد المعاندين للحق، وهذا مما يقع من الطبيعة ولا توجبه الشريعة، فوقع من النبي صلى الله عليه وسلم"فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت