الصفحة 92 من 148

58 ـ باب فقه المسألة

قال ابن تيمية في الصارم المسلول 3/ 673 وما بعدها: فان قيل فلم لم يقتلهم النبي مع علمه بنفاق بعضهم وقبل علانيتهم؟ قلنا انما ذاك لوجهين: احدهما ان عامتهم لم يكن ما يتكلمون به من الكفر مما يثبت عليهم بالبينة بل كانوا يظهرون الاسلام، ونفاقهم يعرف تارة بالكلمة يسمعها منهم الرجل المؤمن فينقلها الى النبي صلى الله عله وسلم فيحلفون بالله انهم ما قالوها او لايحلفون وتارة بما يظهر من تاخرهم عن الصلاة والجهاد واستثقالهم للزكاة وظهور الكراهية منهم لكثير من احكام الله وعامتهم يعرفون في لحن القول كما قال تعالى (ام حسب الذين في قلوبهم مرض ان لن يخرج الله اضغانهم ولو نشاء لاريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول) فاخبر سبحانه انه لوشاء لعرفهم رسوله بالسيماء في وجوههم ثم قال (ولتعرفنهم في لحن القول) فاقسم على انه لابد ان يعرفهم في لحن القول ومنهم من كان يقول القول او يعمل العمل فينزل القران يخبر ان صاحب ذلك القول والعمل منهم كما في سورة براءة ـ ومنهم ومنهم ـ وكان المسلمون ايضا يعلمون كثيرا منهم بالشواهد والدلالات والقرائن والامارات ومنهم من لم يكن يعرف كما قال تعالى (وممن حولكم من الاعراب منافقون ومن اهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم) ثم جميع هؤلاء المنافقين يظهرون الاسلام ويحلفون انهم مسلمون، وقد اتخذوا ايمانهم جنة واذا كانت هذه حالهم فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يقيم الحدود بعلمه ولا بخبر الواحد ولا بمجرد الوحي ولا بالدلائل والشواهد حتى يثبت الموجب للحد ببينة او اقرار الا ترى كيف اخبر عن المراة الملاعنه انها ان جاءت بالولد على نعت كذا وكذا فهو للذي رميت به وجاءت على النعت المكروه فقال (لولا الايمان لكان لي ولها شان) وكان بالمدينة امراة تعلن الشر فقال لو كنت راجما احدا من غير بينة لرجمتها، وقال للذين اختصموا اليه (انكم تختصمون الي ولعل بعضكم ان يكون الحن بحجته من بعض فاقضي بنحو مما اسمع فمن قضيت له من حق اخيه شيئا فلا ياخذه فانما اقطع له قطعة من النار) فكان ترك قتلهم مع كونهم كفارا لعدم ظهور الكفر منهم بحجة شرعية ويدل على هذا انه لم يستتبهم على التعيين، ومن المعلوم ان احسن حال من ثبت نفاقه وزندقته ان يستتاب كالمرتد فان تاب والا قتل ولم يبلغنا انه استتاب واحد بعينه منهم فعلم ان الكفر والردة لم تثبت على واحد بعينه ثبوتا يوجب ان يقتل كالمرتد ولهذا كان يقبل علانيتهم ويكل سرائرهم الى الله فاذا كانت هذه حال من ظهر نفاقه بغير البينة الشرعية فكيف حال من لم يظهر نفاقه؟ ولهذا قال (اني لم اومر ان انقب عن قلوب الناس ولا اشق بطونهم) لما استؤذن في قتل ذي الخويصرة ولما استؤذن ايضا في قتل رجل من المنافقين قال (اليس يشهد ان لا اله الا الله قيل بلى قال اليس يصلي قيل بلى قال اولئك الذين نهاني الله عن قتلهم) فاخبر انه نهي عن قتل من اظهر الاسلام من الشهادتين والصلاة وان رمي بالنفاق وظهرت عليه دلالته اذا لم يثبت بحجة شرعية انه اظهر الكفر، وكذلك قوله في الحديث الاخر (امرت ان اقاتل الناس حتى يشهدوا ان لا اله الا الله واني رسول الله فاذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم الا بحقها وحسابهم على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت