الفصل الأول
أهمية العلم بحقائق المسميات العقدية
الحقيقة في اللغة ما يصير إليه حق الأمر ووجوبه تقول أبلغت حقيقة هذا الأمر تعني يقين شأنه [1] ، وقال ابن فارس:"الحاء والقاف أصل واحد وهو يدل على إحكام الشيء وصحته، فالحق نقيض الباطل .. ويقال حققت الأمر وأحققته أي كنت على يقين منه" [2] .
والحقيقة تكون كنه الشيء كما أراده الله تبارك وتعالى كما قال ابن عمر رضي الله عنه"لا يبلغ العبد حقيقة التقوى حتى يدع ما حاك في الصدر" [3] . قال ابن حجر في شرح هذا الحديث"المراد بالتقوى وقاية النفس عن الشرك والأعمال السيئة والمواظبة على الأعمال الصالحة وبهذا التقرير يصح استدلال المصنف [4] وقوله حاك بالمهملة والكاف الخفيفة أي تردد ففيه إشارة إلى أن بعض المؤمنين بلغ كنه الإيمان وحقيقته وبعضهم لم يبلغ، وقد ورد معنى قول ابن عمر عند مسلم من حديث النواس مرفوعًا وعند أحمد من حديث وابصة وحسّنه الترمذي من حديث عطية السعدي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا يكون الرجل من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرًا لما به البأس" [5] ."
وقد بوب البخاري في صحيحه بابًا بعنوان (باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة وكان على الاستسلام أو الخوف من القتل) ، قال ابن حجر حذف جواب قوله [إذا] للعلم به كأنه يقول إذا كان الإسلام كذلك لم ينتفع به في الآخرة ومحصل ما ذكره واستدل به أن الإسلام يطلق ويراد به الحقيقة الشرعية وهو الذي يرادف الإيمان وينفع عند الله وعليه قوله تعالى (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ) [6] ، وقوله تعالى (فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ) [7] ، ويطلق ويراد به الحقيقة اللغوية وهو مجرد الانقياد والاستسلام، فالحقيقة في كلام المصنف هنا هي الحقيقة الشرعية [8] .
قلت فهذه الحقيقة الشرعية هي مرادي من عنوان البحث هنا لأنها هي المطلوبة شرعًا كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم:"لكل شيء حقيقة وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه" [9] . وقال عباة رضي الله عنه في وصيته لابنه:"يا بني إنك لن تطعم طعم الإيمان ولن تبلغ حق حقيقة العلم بالله تبارك وتعالى حتى تؤمن بالقدر خيره وشره" [10] ، يقول ابن تيمية:"الأسماء التي علق الله بها الأحكام في الكتاب والسنة منها ما يعرف حده ومسماه بالشرع، فقد بينه الله ورسوله كاسم الصلاة والزكاة والصيام والحج والإيمان والإسلام والكفر والنفاق، ومنه ما يعرف حده باللغة كالشمس والقمر والسماء والأرض والبر والحر، ومنه ما يرجع حده إلى عادة الناس وعرفهم فيتنوع بحسب عادتهم كاسم البيع والنكاح والقبض والدرهم والدينار ونحو ذلك من الأسماء التي لم يحدها الشارع بحد وليس لها حد واحد يشترك فيه جميع أهل اللغة، بل يختلف قدره وصفته باختلاف عادات الناس، فما كان من النوع الأول فق بينه الله ورسوله ما كان من النوع الثاني والثالث فالصحابة والتابعون المخاطبون بالكتاب والسنة قد عرفوا المراد به لمعرفتهم بمسماه المحدود في اللغة والمطلق في عرف الناس وعادتهم من غير حد شرعي ولا لغوي، وبهذا يحصل التفقه في الكتاب والسنة" [11] .
ولأن هذا البحث يهدف إلى بيان حقيقة الكفر بالطاغوت وحقيقة الإيمان بالله تعالى والعلاقة بين الكفر بالطاغوت والإيمان بالله هل هو ركن للإيمان؟ وهل يصح الإيمان بونه؟ ناسب أن أبيّن أولًا أهمية العلم بحقائق المسميات العقدية فأقول:
إن الله سبحانه خلق الثقلين لعبادته كما قال تعالى (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [12] وهذه العبادة هي التذلل لله عز وجل بفعل أوامره واجتناب نواهيه محبة
(1) تهذيب اللغة 3/ 376.
(2) معجم مقاييس اللغة 2/ 16 - 19 وقارن بما في لسان العرب 10/ 52.
(3) صحيح البخاري مع الفتح 1/ 46.
(4) يريد استدلال البخاري بأن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان.
(5) فتح الباري 1/ 46.
(6) آل عمران: 19.
(7) الذاريات: 36.
(8) المصدر السابق 1/ 74.
(9) مسند أحمد 6/ 441.
(10) المصدر السابق 5/ 317.
(11) مجموع الفتاوى 19/ 236.
(12) الذاريات: 56.